موسوعة الإسرائيليات

(1) عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لمَّا وَلَدت حواءُ طاف بها إبليس، وكان لا يعيشُ لها ولدٌ، فقال: سمِّيه: عبد الحارث؛ فإنه يَعيش، فسمته: عبد الحارث، فعاش، فكان ذلك مِن ذلك من وحي الشيطان وأمرِه)(1).

(2) عن سمرة بن جندب -من طريق أبي العلاء- في قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} [الأعراف: 190]، قال: سمِّياه: عبد الحارث(2).

(3) عن أُبي بن كعب، قال: لما حملت حواء -وكان لا يعيش لها ولدٌ- أتاها الشيطان، فقال: سمِّياه: عبد الحارث؛ يعيش لكما. فسمَّياه: عبد الحارث، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره(3).

(4) عن أُبي بن كعب -من طريق ابن عباس- قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال: أتُطِيعيني ويسلم لك ولدُك؟ سمِّيه: عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت، فمات، ثم حملت، فقال لها مِثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالث، فجاءها، فقال لها: إن تُطِيعيني يَسلمْ لك، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيَّبها، فأطاعته(4).

(5) عن عبدالله بن عباس -من طريق ابن جريج- قال: لمَّا وُلِد له أوَّلُ ولدٍ أتاه إبليس، فقال: إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا، تُسمِّيه: عبد الحارث، فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك. -قال ابن عباس: وكان اسمه في السماء الحارث- قال آدم: أعوذ بالله من طاعتك، إني أطعتُك في أكل الشجرة فأخرجتني من الجنة، فلن أطيعك. فمات ولده، ثم وُلِد له بعد ذلك ولَدٌ آخر، فقال: أطعني، وإلا مات كما مات الأول. فعصاه، فمات، فقال: لا أزال أقتلهم حتى تسميه: عبد الحارث، فلم يزل به حتى سمَّاه: عبد الحارث، فذلك قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] أشركه في طاعته في غير عبادة، ولم يُشرك بالله، ولكن أطاعه(5).

(6) عن عبدالله بن عباس -من طريق العوفي- قال: قوله في آدم: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ}، فشكت أحبلت أم لا؟ {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} الآية [الأعراف: 189]، فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يُولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة تكون أم لا؟ وزيَّن لهما الباطل إنه غوي مبين. وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين، فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تُسَمِّياه بي لم يخرج سويًا، ومات كما مات الأوَّلان. فسمَّيا ولدهما: عبد الحارث، فذلك قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190](6).

(7) عن عبدالله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبير- قال: حمَلت حواءُ، فأتاها إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لَتُطيعيني أو لأجعلنَّ له قرني إيَّلٍ، فيخرج من بطنك فيشُقُه، ولأفعلن ولأفعلن -فخوفها-، سَمِّياه: عبد الحارث، فأبيا أن يُطيعاه، فخرج ميِّتًا، ثم حملت، فأتاهما أيضًا، فقال مثلَ ذلك، فأبيا أن يُطيعاه، فخرج ميِّتًا، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حُبُّ الولد، فسمَّياه: عبد الحارث، فذلك قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190](7).

(8) عن عبدالله بن عباس، في قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} [الأعراف: 190]، قال: كان شركًا في طاعة، ولم يكن شِركًا في عبادة(8).

(9) عن عبدالله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبير- قال: ما أشرك آدم؛ إن أولَها شُكر، وآخرها مثَلٌ ضربه لمن بعده(9).

(10) عن سعيد بن جُبير -من طريق ابن جريج- قال: لمَّا أهبط الله آدم وحواء ألقى في نفسِه الشهوةَ لامرأتِه، فتَحرَّك ذلك منه، فأصابها، فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرَّك ولدُها في بطنها، فقالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس، فقال لها: إنكِ قد حملتِ، فلَتِدين. قالت: ما أَلِدُ؟ قال: هل ترَين إلا ناقة أو بقرة أو ماعزة أو ضانية؟ هو بعض ذلك، ويخرجُ من أنفك أو من عينك أو من أُذُنك. قالت: والله، ما مِنِّي من شيء إلا وهو يَضِيقُ عن ذلك. قال: فأطيعيني، وسمِّيه: عبد الحارث، وكان اسمُه في الملائكة: الحارث - تلدي مثلك. فذكرت ذلك لآدم، فقال: هو صاحِبُنا الذي قد علمت. فمات، ثم حملت بآخر، فجاءها، فقال: أطيعيني أو قتَلْتُه؛ فإني أنا قتلتُ الأول، فذكرت ذلك لآدم، فقال مثل قوله الأول، ثم حملت بالثالث، فجاءها، فقال لها مثلَ ما قال، فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لم يكره ذلك، فسمَّته: عبد الحارث، فذلك قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190](10).

(11) عن سعيد بن جُبير -من طريق سالم بن أبي حفصة- قوله: {أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} إلى قوله: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 189-190] قال: لمَّا حملت حواء في أول ولَدٍ ولدته حين أثقلت؛ أتاها إبليس قبل أن تلِد، فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنكِ؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري. قال: أرأيتِ إن خرج سليمًا أتطيعيني أنت فما آمرُكِ به؟ قالت: نعم. قال: سميه: عبد الحارث. وقد كان يسمى إبليس: الحارث، فقالت: نعم. ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آتٍ في النوم، فقال لي كذا وكذا. فقال: إن ذلك الشيطان؛ فاحذريه؛ فإنه عدوَّنا الذي أخرجنا من الجنة، ثم أتاها إبليس، فأعاد عليها، فقالت: نعم. فلما وضعته أخرجه الله سليمًا، فسمَّته: عبد الحارث، فهو قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190](11).

(12) عن سعيد بن جُبير -من طريق جرير وابن فضيل عن عبدالملك- قال: قيل له: أَشرك آدم؟ قال أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكنَّ حواء لمَّا أثقلت أتاها إبليس، فقال لها: من أين يخرج هذا، من أنفك أو من عينك أو من فيكِ؟ فقنَّطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًّا -زاد ابن فضيل: لم يضركِ ولم يقتلك- أتطيعيني؟ قالت: نعم. قال: فسمِّيه: عبد الحارث. ففعلت. -زاد ابن جرير: فإنما كان شركه في الاسم-(12).

(13) عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190]، قال: كان لا يعيشُ لآدم وامرأته ولدٌ، فقال لهما الشيطان: إذا وُلِد لكما ولدٌ فسمَّياه: عبد الحارث. ففعلا، وأطاعاه، فذلك قول الله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} الآية [الأعراف: 190](13).

(14) عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الزبير بن الخِرِّيت-، قال: ما أشرك آدم ولا حواء، وكان لا يعيش لهما ولدٌ، فأتاهما الشيطان، فقال: إن سرَّكما أن يعيش لكما ولدٌ فسمِّياه: عبد الحارث. فهو قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190](14).

(15) عن عكرمة مولى ابن عباس: لم يَخُصَّ بها آدم، ولكن جعلها عامَّة لجميع بني آدم مِن بعد آدم(15).

(16) عن بكر بن عبدالله المزني -من طريق سليمان التيمي-: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] أن آدم سمَّى ابنه: عبد الشيطان(16).

(17) عن الحسن البصري -من طريق عمرو بن عبيد- في الآية، قال: كان هذا في بعض أهلِ الملل، وليس بآدم(17).

(18) عن الحسن البصري، في الآية، قال هذا في الكفار، يدْعون الله، فإذا آتاهما صالحًا هَودًا ونصرًا، ثم قال: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] يقول: يطيعون ما لا يخلق شيئًا؛ وهي الشياطين لا تخلق شيئًا وهي تُخلَقُ، {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} [الأعراف: 192] يقول: لِمن يدعوهم(18).

(19) قال الحسن البصري -من طريق معمر- قال: إنما عنى بها: ذُرِّية آدم؛ من أشرك مِنهم بعده(19).

(20) قال الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهَوَّدوا ونَصروا(20).

(21) عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} [الأعراف: 190] ذُكر لنا: أنه كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان، فقال لهما: سمياه: عبد الحارث، وكان من وحي الشيطان وأمره، وكان شركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته(21).

(22) عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} [الأعراف: 190] قال: كان شِركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته(22).

(23) عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ومحمد بن السائب الكلبي -من طريق معمر- {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} [الأعراف: 189] قال: كان آدمُ لا يُولد له ولد إلا مات، فجاءه الشيطان، فقال: إنَّ شرْط أن يعيش ولدُك هذا فسمِّه عبد الحارث. ففعل. قال: فأشركا في الاسم، ولم يشركا في العبادة(23).

(24) عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق صدقة- قال: هذا مِن الموصول والمفصول، قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} في شأن آدم وحواء، يعني: في الأسماء، {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190] يقول: عما يُشرِك المشركون، ولم يَعْنِهما(24).

(25) عن إسماعيل السُّدِّي، قال: إن أول اسم سمياه: عبدالرحمن، فمات، ثم سميَّاه، صالحًا، فمات. يعني: آدم وحواء(25).

(26) عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط-، قال: فولدت غلامًا -يعني: حواء-، فأتاها إبليسُ، فقال: سمُّوه عبدي، وإلا قتلته، قال له آدم : قد أطعتُكِ وأخرجتني من الجنة، فأبى أن يطيعه، فسمَّاه عبد الرحمن، فسلط الله عليه إبليس، فقتله. فحملت بآخر، فلمَّا ولدته قال لها: سمِّيه عبدي وإلا قتلته، قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة. فأبى، فسمَّاه صالحًا، فقتله. فلمَّا أن كان الثالث، قال لهما: فإذا غلبتموني فسموه: عبد الحارث، وكان اسم إبليس، وإنما سُمِّي إبليس: حين أبْلَسَ. فَعَنَوا، فذلك حين يقول الله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190]. يعني: في الأسماء(26).

(27) قال محمد بن السائب الكلبي: إنَّ إبليسَ أتى حواءَ في صورة رجل لمَّا أثقلت في أوَّل ما حملت، فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم، فلم يزالا في غمٍّ من ذلك، ثم عاد إليها، فقال: إني مِن الله مُنزَّلٌ، فإن دعوتُ الله فوَلَدتِ إنسانًا أَتُسمِّينه بي؟ قالت: نعم. قال: فإني أدعو الله. فأتاها وقد وَلَدَت، فقال: سمِّيه باسمي. فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث. ولو سمَّى نفسه لَعَرَفَتْه، فسمَّته: عبد الحارث(27).

(28) قال مقاتل بن سليمان: أتاها -أي: حواء- إبليس وغيَّر صورته، واسمه الحارث، فقال: يا حواء، لعل الذي في بطنكِ بهيمةٌ. فقالت: ما أدري، ثم انصرف عنها، {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ}، يقول: فلما أثقل الولدُ في بطنها، رجع إبليس إليها الثانية، فقال: كيف نجدكِ يا حواء؟ وهي لا تعرفه، قالت: إني أخافُ أن يكون في جوفي الذي خوَّفتَني به، ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال: أفرأيتِ إن دعوتُ الله، فجعله إنسانًا مثلك ومثل آدم؛ أتُسَمِّينه بي؟ قالت: نعم، ثم انصرف عنها، فقالت لآدم : لقد أتاني آتٍ، فزعم أن الذي في بطني بهيمة، وإني لأَجِدُ له ثِقلًا، وقد خِفتُ أن يكون مثل ما قال. فلم يكن لآدم وحواء همٌ غير الذي في بطنها، فجعلا يدعوان الله؛ {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} يقولان: لئِن أعطيتنا هذا الولد سويًا صالحَ الخلق {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189] في هذه النعمة، فولدت سويًا صالحًا، فجاءها إبليس، وهي لا تعرفه، فقال: لمَ لا تسميه بي كما وعدتِني، قالت: عبد الحرث فكذبها، فسمَّته: عبد الحارث، فرَضى به آدم، فمات الولد، {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} يعني: أعطاهما الولدَ صالحَ الخلق، {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} يعني: إبليس شريكًا في الاسم، سمَّته عبد الحارث، فكان الشرك في الطاعة من غير عبادة، ولم يكن شركًا في عبادة ربهم. ثم انقطع الكلام، فذكر كفار مكة، فرجع إلى أول الآية، فقال الله: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190](28).

(29) عن سفيان: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} [الأعراف: 190] قال: أشركاه في الاسم. قال: وكنية إبليس: أبو كَدُّوسٍ(29).

(30) عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: وُلِد لآدم ولدٌ، فسمَّاه: عبدالله، فأتاهما إبليس، فقال: ما سمَّيتُماه ابنكما هذا؟ قال: عبدالله. وكان وُلِد لهما قبل ذلك ولد، فسمَّياه: عبدالله، فقال إبليس: أتظنان أن الله تاركٌ عبدَه عندكما، ووالله، ليذهبَنَّ به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلُّكما على اسم يَبقَى لكما ما بقِيتما، فسمِّياه: عبد شمس. فسمَّياه، فذلك قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا} [الأعراف: 191](30).


(1) أخرجه أحمد 33/ 305 (20117)، والترمذي 5/ 313 – 314 (3332)، والحاكم 2/ 594 (4003)، تفسير الطبري 10/ 623، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1631 (8637).
(2) تفسير الطبري 10/ 623، الدر المنثور 3/ 623.
(3) الدر المنثور 3/ 623.
(4) تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1633، الدر المنثور 3/ 624.
(5) تفسير الطبري 10/ 624 - 625.
(6) تفسير الطبري 10/ 624.
(7) تفسير سعيد بن منصور (973) من طريق سعيد بن جُبير، ومجاهد باختلاف يسير، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1635، الدر المنثور 3/ 624.
(8) الدر المنثور 3/ 626.
(9) تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1633، الدر المنثور 3/ 626.
(10) تفسير الطبري 10/621، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1632 من طريق سالم بن أبي حفصة مختصرًا، الدر المنثور 3/ 624.
(11) تفسير الطبري 10/ 626.
(12) تفسير الطبري 10/ 627.
(13) تفسير مجاهد ص 348، وتفسير الطبري 10/624.
(14) تفسير الطبري 10/ 625.
(15) تفسير الثعلبي 4/ 1634.
(16) تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1634.
(17) تفسير الطبري 10/ 629، الدر المنثور 3/ 625.
(18) الدر المنثور 3/ 627.
(19) تفسير عبدالرزاق 2/ 245، وتفسير الطبري 10/ 629.
(20) تفسير الطبري 10/ 629، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1634، الدر المنثور 3/ 626.
(21) تفسير الطبري 10/ 626.
(22) تفسير الطبري 10/ 626، تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1634، الدر المنثور 3/ 626.
(23) تفسير عبدالرزاق 2/ 245.
(24) تفسير عبدالرزاق 1/ 246، تفسير الطبري 10/ 632، تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1634، الدر المنثور 3/ 626.
(25) الدر المنثور 3/ 626.
(26) تفسير الطبري 10/ 627.
(27) تفسير الثعلبي 4/ 315، وتفسير البغوي 3/ 312.
(28) تفسير مقاتل بن سليمان 2/ 79 - 80.
(29) الدر المنثور 3/ 626.
(30) تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1635 (8664).

تفسير مجاهد:

قال مجاهد (ت 104 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} [الآية: 190]. قال: كان لا يعيش لآدم وحواءَ -عليهما السلام- ولد. فقال لهما الشيطان: إِذا ولد لكما، فسمياه عبد الحارث. ففعلا وأَطاعا. فذلك قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا}(1).

تفسير مقاتل بن سليمان:

قال مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال: فجاءها إبليس، وهي لا تعرفه، فقال: لم لا تسميه بي كما وعدتني، قالت: عبد الحرث فكذبها، فسمته عبد الحارث، فرضى به آدم، فمات الولد، فذلك قوله: (فلما آتاهما صالحًا -يعني أعطاهما الولد صالح الخلق-، جعلا له شركاء، يعني: إبليس شريكًا في الاسم، سمته عبد الحارث، فكان الشرك في الطاعة من غير عبادة، ولم يكن

شركًا في عبادة ربهم، ثم انقطع الكلام، فذكر كفار، فرجع إلى أول الآية، فقال الله: (فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) [آية: 190]، يقول: ارتفع عظمة الله عما يشرك مشركو مكة(2).

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن:

قال الطبري (ت: 310هـ):

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء) في الاسم لا في العبادة، وأن المعنيَّ بذلك آدم وحواء، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

فإن قال قائل: فما أنت قائل إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية، وأن المعنيّ بها آدم وحواء في قوله: (فتعالى الله عما يشركون)؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك، أو في العبادة؟ فإن قلت: "في الأسماء" دلّ على فساده قوله: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون)؟ فإن قلت: "في العبادة"، قيل لك: أفكان آدم أشرك في عباد الله غيره؟

قيل له: إن القول في تأويل قوله: (فتعالى عما يشركون)، ليس بالذي ظننت، وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأما الخبر عن آدم وحواء، فقد انقضى عند قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، ثم استؤنف قوله: (فتعالى الله عما يشركون)(3).

تفسير ابن أبى حاتم:

قال ابن أبى حاتم الرازي (ت 327 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال: حدثنا أبى، ثنا أبو الجماهر انبا سعيد بن بشير عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبهما فأطاعاه.

حدثنا علي بن الحسين ثنا محمد بن علي بن حمزة، ثنا حِبان، عن عبد لله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: "فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما، قال: الله هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها آدم حملت، أتاهما إبليس، فقال: أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعنن أو لأجعلن لها قرني ابل فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت يعني الثانية، فأتاهما أيضًا فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت، لتفعلن أو لأفعلن ولأفعلن يخوفهما فأبيا أن يطيعانه فخرج ميتًا، ثم حملت الثالثة، فآتاهما أيضًا فذكر لهما فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: جعلا له شركاء فيما آتاهما.

حدثنا الحسن بن أبى الربيع، أنبا عبد الرزاق، أبنا ابن عيينة قال: سمعت صدقة قال: أبي يعني ابن عبد الله بن كثير المكي يحدث عن السدى، قال: هذا من الموصول المفصل قول: جعلا له شركاء فيما آتاهما، قال: شأن آدم وحواء. حدثنا أبى، ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان، عن الهذلي عن السدى في قوله: جعلا له شركاء فيما آتاهما، قال: هو آدم وحواء.

حدثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدى، يقول الله: جعلا له شركاء فيما آتاهما، يعني: في الأسماء. حدثنا أبى، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، ثنا بكر بن عبد الله المزني: جعلا له شركاء فيما آتاهما، أن آدم سمى ابنه عبد الشيطان.

حدثنا محمد بن يحيى، أنبا العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة: جعلا له شركاء فيما آتاهما، فكان شركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته، وكان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا(4).

تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة):

قال أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال عامة أهل التأويل: إن آدم وحواء لما أهبطا تغشاها آدم، فحملت، فأتاها إبليس فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: لا أدري، قال: لعله بهيمة من هذه البهائم: ناقة، أو شاة، أو بقرة، قالت: لا أدري، فأعرض عنها، فلما

أثقلت أتاها فقال: كيف تجدينك؟ قالت: إني لأخاف أن يكون الذي ذكرت، ما أستطيع القيام إذا قعدت إلا بجهد، قال: أفرأيت إن دعوت اللَّه يجعله إنسانًا مثلك ومثل آدم أتسمينه بي؟ قالت: نعم، فانصرف عنها، وقالت لآدم: لقد أتاني آت فخوفني بكذا، وإني لأخاف مما ذكر، فدعوا اللَّه في ذلك بقوله: (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا)، يقول: جعلته إنسانًا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، فكان هذا دعاؤهما قبل أن تلد، فلما ولدت أتاها إبليس وقال: ألا تسمينه بي كما وعدتني؟ قالت: نعم، ما اسمك؟ قال: اسمي الحارث، فسمته: عبد الحارث؛ فذلك قوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا)؛ على هذا حمل أهل التأويل الآية وإلى آدم وحواء صرفوها، وذلك وخش من القول، قبيح في آدم وحواء ذلك، ولو ثبت ما قالوا: إنهما سميا ولدهما باسمه ونسباه إليه، لم يكن في ذلك إشراك؛ إذ لو كان في مثله إشراك لكان فيما أضاف العبيد والمماليك إلى الخلق إشراك في ألوهيته.

ثم التأويل عندنا على غير ما ذهبوا إليه -واللَّه أعلم- وهو أن قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يعني: من آدم، (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا): حواء، أي: خلق الذكور كلهم من آدم، وخلق الإناث كلهن من حواء؛ كقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)، أخبر أن الأزواج خلقهن من نفس الأزواج، فلما أضاف الزوجات إلى أنفس الأزواج وأنهن من أنفسهم خلقهن؛ كان قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) كل زوجة وزوج إذا تغشاها وحملت دعا آدم وحواء: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) إذ جميع الأولاد أولادهما، يدعون اللَّه في ذلك ليكون صالحًا؛ فمن كان مسلمًا منهما كان بدعائهما؛ فعلى هذا التأويل يحصل دعاؤهما لأولادهما الذين يولدون إلى يوم القيامة؛ لأنهما أب وأم، وقد يدعو الوالدان لأولادهما بالصلاح والخير؛ على هذا يجوز أن يخرج تأويل الآية، وأما ما قال أُولَئِكَ فهو بعيد محال، واللَّه أعلم.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن العرب كان إذا ولد لهم أولاد ذكور ينسبون إلى الأصنام التي يعبدونها ويضيفون إليها؛ تعظيمًا لها؛ يقولون: ابن اللات، وابن العزى، وابن المناة، ونحو ذلك، وكانوا يقتلون البنات، وكان إذا أصابتهم الشدة يفزعون إلى الله ويتضرعون إليه؛ كقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وكقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ....) الآية (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ....) الآية، فلما ذهب ذلك عنهم وانجلى عادوا إلى ما كانوا من قبلِ؛ كقوله: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)، وقوله: (ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ...) الآية، فإذا كان من عادة العرب ما ذكرنا، كان إذا حملت زوجة منهم وثقل ما في بطنها، جعلا يدعوان اللَّه ربهما لئن آتيتنا صالحًا ذكرًا وسلمت من الولادة (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) يعني: ذكرًا (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) أي: جعلا لله شركاء في الولد الذي ولد لهما، وينسبونه إلى الأصنام التي كانوا يعبدونها، فذلك قوله: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) فتعالى اللَّه عما يشركون، والله أعلم بذلك.

وقال الحسن: الآية في مشركي العرب، إلا قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فإن ذلك في آدم وحواء.

ألا ترى أنه قال: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) دل أنه ما ذكرنا.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهي نفس آدم (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي: خلق كل نفس منكم من تلك النفس، وجعل لكل نفس منكم زوجة من تلك النفس ليسكن إليها؛ فعلى هذا التأويل يصرف آخر الآية إلى غير آدم وحواء.

وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله (فَمَرَّتْ بِهِ) أي: استمرت بالحمل، وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إن العرب كانت تعبد الأصنام تقليدًا لآبائهم وسلفهم، فيذكر سفههم أن النفس التي خلقتم منها لم تقلد أحدًا، ولم تشرك أحدًا، إنما اتبعت ما في العقل حسنه، أو ما في السمع من الأمر، فكيف اتبعتم أنتم النفس التي خلقتم منها، وهي لم تتبع إلا ما ذكرنا دون ما اتبعتم في الإشراك له آباؤكم.

ولو كانت القصة في آدم على ما يقول أهل التأويل، فيكون للعرب بها تعلق واقتداء، فيقولون: إنه أشرك، ونحن نشرك، فدل أنه ليس على ما قالوا، ولكن على الوجوه التي ذكرنا.

وفي قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) دلالة أن ليس لأحد من البشر على آخر فضل من جهة الخلقة والنسبة؛ إذ كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة، وهم إخوة وأخوات، وإن كان لأحد فضل على آخر فإنما يكون لأعمال يكتسبها، وأخلاق محمودة ومحاسن يختارها، وأما من جهة الخلقة فلا فضل لبعض على بعض؛ كقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(5).

بحر العلوم:

قال أبو الليث السمرقندي (ت 373 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قوله تعالى: {هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} يعني: من نفس آدم {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني: خلق من نفس آدم من ضلع من أضلاعه اليسرى زوجته حواء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} يعني: ليطمئن إليها ويجامعها {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} أي: سكن إليها وجامعها {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} يعني: خفيف الماء {فَمَرَّتْ بِهِ} أي: استمرت بالحمل. يقول: قامت بالحمل وقعدت ولا تدري أهي حبلى أم لا {فَلَمَّا أَثْقَلَت} يعني: ثقل الولد في بطنها {دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا} وذلك أن إبليس أتاها فقال: يا حواء ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: أخاف إنها بهيمة، وإني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنسانًا صالحًا أتسميه باسمي؟ قالت: نعم. وما اسمك قال: عبد الحارث فكذب. فدعت حواء وآدم فذلك قوله: دعوا الله ربهما {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا} يعني: أعطيتنا ولدًا سويًا صحيح الجوارح {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} وهذا قول سعيد بن جبير رواه عن ابن عباس. وروى معمر عن قتادة أنه قال: كان آدم لا يولد له ولد إلا مات فجاء الشيطان وقال: إن سرك أن يعيش ولدك فسمه عبد الحارث ففعل. فأشركا في الاسم. ولم يشركا في العبادة. وروي عن السدي أنه قال: اسم إبليس هو الحارث يوم لعن فأراد أن ينسب إليه، فأمرها فسمته عبد الحارث، فعاش بعد ذلك أيامًا ثم مات. فذلك قوله: {فَلَمَّا ءاتاهما} يعني: أعطاهما {صالحا} خلقًا آدميًا سويًا {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما} قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} بكسر الشين وجزم الراء وقرأ الباقون {شُرَكَاء} بالضم ونصب الراء. فمن قرأ بالكسر فهو على معنى التسمية، وهو اسم يقوم مقام المصدر ومن قرأ بالضم فمعناه: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} يعني: الشريك في الاسم وإنما ذكر الشركاء وأراد به الشريك يعني: الشيطان فإن قيل: من قرأ بالكسر كان من حق الكلام أن يقول جعلا لغيره شركًا، لأنهما لا ينكران أن الأصل لله تعالى. وإنَّما جعلا لغيره شركًا أي نصيبًا. قيل له: معناه {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} يعني: ذا شرك. فذكر الشرك والمراد به شركه كقوله تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لحافظون} [يوسف: 12] أي أهل القرية فضرب الله تعالى بهذا مثلًا للكفار يعني: كما أن آدم وحواء أعطاهما ورزقهما فاشركوا في عبادته(6).

الكشف والبيان عن تفسير القرآن:

قال الإمام الثعلبي (ت 427هـ):

واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء:

فقال المفسرون: كان شركاء في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية.

وقال أهل المعاني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحرث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحرث، لكنهما قصدا إلى أن الحرث سبب نجاة الولد وسلامة أمه فسمياه، كما يسمى رب المنزل، وكما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه.

كما قال حاتم: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا... وما في إلا تلك من شيمة العبد

وقال قوم من أهل العلم: إن هذا راجع إلى المشركين من ذرية آدم، وإن معناه: جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم، كقوله تعالى: (وسئل القرية) وكما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تفريقهم بفعل آبائهم، فقال لليهود الذين كانوا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثم اتخذتم العجل من بعده)، وقال: (وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها)، وقال سبحانه: (فلم تقتلون أنبياء الله) ونحوها.

ويدل عليه ما روى معمر عن الحسن قال: عني بهذا من أشرك من ذرية آدم، ولم يكن عنى آدم.

وروى قتادة عنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوًا ونصروًا.

وقال ابن كيسان: هم الكفار جعلوا لله شركاء عبد العزى وعبد مناة.

وقال عكرمة: لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع بني آدم من بعد آدم.

قال الحسين بن الفضل: وهذا حجب إلى أهل النظر لما في القول الأول من إلصاق العظائم بنبي الله آدم  ويدل عليه جمعه في الخطاب حيث قال: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة)، ثم قال: (فلما تغشاها) انصرف من ذلك الخطاب إلى الخبر، يعني: فلما تغشى الرجل منكم امرأته.

قال الله عز وجل: (أيشركون) يعني: كفار مكة (ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) يعني: الأصنام.

قال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسمياه عبد الله فاتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟ قال: وكان ولد لهما قبل ذلك ولد سمياه عبد الله فمات، فقالا: سميناه عبد الله، فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما لا والله ليذهبن كما ذهب الآخر، ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس.

فذلك قوله: (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) الشمس لا تخلق شيئًا حتى يكون لها عبدًا، إنما هي مخلوقة،

قال: وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-«خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض».

والذي يؤيد القول الأول قراءة السلمي: أتشركون بالتاء(7).

النكت والعيون:

قال الماوردي (ت 450هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وذلك أن إبليس قال لحواء سَمِّيه: عبد الحارث يعني نفسه لأنه اسمه في السماء كان (الحارث) فسمته عبد الله فمات، ثم حملت ولدًا ثانيًا فقال لها ذلك فلم تقبل، فمات، ثم حملت ثالثًا فقال لها ولآدم، أتظنان الله تارك عبده عندكما؟ لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخرين، فسمياه بذلك فعاش، فهذا معنى قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا} أي: في الاسم، فروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض.

وقال الحسن وقتادة: إن المكنّى عنه بقوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا} ابن آدم وزوجته، وليس براجع إلى آدم وحواء(8).

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:

قال الواحدي (ت 468 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فلما آتاهما صالحًا} ولدًا سويًّا {جعلا له} لله {شركاء} يعني: إبليس، فأوقع الواحد موقع الجميع {فيما آتاهما} من الولد إذ سمَّياه عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلاَّ لله، ولم تعرف حوَّاء أنَّه إبليس، ولم يكن هذا شركًا بالله، لأنَّهما لم يذهبا إلى أنَّ الحارث ربَّهما، لكنهما قصدا إلى أنَّه كان سبب نحاته، وتمَّ الكلام عند قوله: {آتاهما}، ثمَّ ذكر كفَّار مكة، فقال: {فتعالى الله عمَّا يشركون}(9).

التفسير البسيط:

قال الواحدي (ت 468 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال المفسرون: (لما حملت حواء أتاها إبليس في غير صورته التي عرفته حواء، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلبًا أو خنزيرًا، وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك، فخافت حواء، فذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله أن يجعله خلقًا سويًّا مثلك، ويسهل عليك خروجه حتى تلقيه من بطنك سهلًا أتسمينه عبد الحارث؟ ثم لم يزل بها حتى غرّها، فلما ولدت ولدًا سويَّ الخلق سمته عبد الحارث برضا آدم وعلمه، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذلك قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}، أي: لما آتاهما ولدًا سويًا {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} قال ابن عباس. يريد: في تسميتهما عبد الحارث، وقال الفراء: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} إذ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله. قال: ولم تعرفه أنه إبليس.

وذكر ابن زيد إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض" وهذا الذي ذكرنا معنى قول سعيد بن جبير والكلبي وأكثر أهل التفسير.

واختلف القراء في قوله: {شُرَكَاءَ}. فقرأ نافع وأبو بكر {شِرْكًا} بكسر الشين، وهذا يتوجه على حذف المضاف بتقدير: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فقد جعلا له شركاء، فالقراءتان تؤولان إلى معنى واحد، والضمير في: {لَهُ} يعود إلى اسم الله كأنه {وجَعَلَا} لله {شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}. قال أبو الحسن: (وكان ينبغي لمن قرأ: (شركًا) أن يقول المعنى: (جعلا لغيره شركًا)؛ لأنهما لا ينكران أن الأصل لله عز وجل، فالشرك إنما يجعل لغيره)، حكاه الزجاج وأبو علي هذا عن أبي الحسن، ثم قال الزجاج: (هذا على معنى: جعلا له ذا شرك، فحذف ذا، مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82].

وقال أبو علي: (يجوز أن يكون الكلام على ظاهرة ولا يقدر حذف المضاف في قوله: {جَعَلَا لَهُ}، وأنت تريد لغيره، ولكن تقدر حذف المضاف إلى شركٍ، كما ذكرنا فلا يحتاج إلى تقدير: جعلا لغيره شركًا؛ لأن تقدير حذف المضاف من شرك بمنزلة جعلا لغيره شركًا)، وتقدير حذف المضاف من {شركًا} أحسن وأولى من تقدير حذفه من قوله: {لَهُ}.

قال الزجاج: (ومن قرأ {شركًا} فهو مصدر شركت الرجل أشركه شركًا)، ومن قرأ {شُرَكَاءَ} فحجته قوله: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} [الرعد: 16]، وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس، أوقع الجمع موقع الواحد، وذلك أن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، فإن قيل: كيف أضيف الشرك إلى آدم وحواء مع منزلتهما من دين الله؟، والجواب عن هذا: ما روي عن قتادة أنه قال: (أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة)، يعني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد مضافًا إلى من لا يراد أنه مملوك له كقوله: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا

يريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف، يدل على صحة هذا المعنى ما روي أنه قيل لسعيد بن جبير: (أشرك آدم؟ فقال: معاذ الله، ولكن حواء لما حملت أتاها إبليس فقال: أخبريني عن الذي في بطنك أتلدينه من عينك أم من فيك أم من أنفك؟ قالت: لا علم لي بذلك.

قال: فإن سألت الله عز وجل أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله عز وجل: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} قال أبو علي: (فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31].

وقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، وهذا يوضح أن حواء ما قصدت الإشراك بالله من حيث الكفر، ولكن قصدت بالتسمية أن الحارث كان سبب سلامة الولد وسلامة أمه، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله: {آتَاهُمَا}.

ثم قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. فعاد إلى الخبر عن الكفار ونزه نفسه عن إشراكهم فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة). وقال عبد الله بن مسلم: (وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك على العموم)، ونحو هذا قال مقاتل، قال: انقطع الكلام عند قوله: {فِيمَا آتَاهُمَا}. ثم ذكر كفار مكة فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ}. قال السدي: (هذا من الموصول والمفصول يعني: قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} في شأن آدم وحواء، ثم قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما).

وقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء عليهما السلام، وتأويل الآية: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف). وهذا معنى قول الحسن وقتادة وعكرمة، قال الحسن: (عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يعن آدم).

وروى سعيد عن قتادة أنه كان يقول هذه الآية ويقول: (هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا). وقال عكرمة: (جعلها لمن بعد آدم ممن أشرك بالله).

ويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة)(10).

تفسير القرآن:

قال السمعاني (ت 489هـ):

قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قَوْله {فَلَمَّا أثقلت دعوا الله ربهما} يَعْنِي: آدم وحواء {لَئِن آتيتنا صَالحًا} أَي: ولدًا سوى الْخلق، إِذْ كَانَا [يدعوان] أَن يَجعله الله إنْسَانًا مثلهمَا خوفًا من وَسْوَسَة إِبْلِيس{لنكونن من الشَّاكِرِينَ} (فَلَمَّا آتاهما صَالحًا) أَي: سوي الْخلق، {جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما} يَعْنِي: سمياه عبد الْحَارِث، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَقُول: {جعلا لَهُ شُرَكَاء} وآدَم كَانَ نَبيًا مَعْصُوما عَن الْإِشْرَاك بِاللَّه؟

قيل: لم يكن هَذَا إشراكًا فِي التَّوْحِيد، وَإِنَّمَا ذَلِك إشراك فِي الِاسْم، وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي التَّوْحِيد، وَهُوَ مثل تَسْمِيَة الرجل وَلَده عبد يَغُوث وَعبد زيد وَعبد عَمْرو، وَقَول الرجل لصَاحبه: أَنا عَبدك، وعَلى ذَلِك قَول يُوسُف - صلوَات الله عَلَيْهِ -: {إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي} وَمثل هَذَا لَا يقْدَح، وَأما قَوْله: {فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ • أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرًا ولا أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} ابتداء كلام بعد الأول، وأراد به: إشراك أهل مكة، ولئن أراد به الإشراك الذي سبق استقام الكلام؛ لأنه كان الأولى ألا يفعل ما أتى به من الإشراك في الاسم، وكان ذلك زلة منه، فلذلك قال: {فتعالى الله عما يشركون} وفي الآية قول آخر: أن هذا في جميع بني آدم. قال عكرمة: وكأن الله يخاطب به كل واحد من الخلق بقوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: خلق كل واحد من أبيه {وجعل منها زوجها} أي: جعل من جنسها زوجها {ليسكن إليها} يعني: كل زوج إلى زوجته {فلما تغشاها} أي: وطئها {حملت حملًا خفيفا فمرت به} وهذا قول حسن في الآية.

وقيل: إنما عبر بآدم وحواء عن جميع أولادهما؛ لأنهما أصل الكل، والأول أشهر وأظهر، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وجماعة المفسرين كلهم قالوا: إن الآية في آدم وحواء كما بينا(11).

معالم التنزيل في تفسير القرآن - تفسير البغوي:

قال البغوي (ت 510هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال المفسرون: فلما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهمية، أو كلبًا، أو خنزيرًا، وما يدريك من أين يخرج؟ من دبرك فيقتلك، أو من [قبلك] وينشق بطنك، فخافت حواء من ذلك، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام فلم يزالا في همِّ من ذلك، ثم عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقًا سويًا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث؟ -وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث -فذكرت ذلك لآدم، فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس، فلم يزل بهما حتى غرهما، فلما ولدت سمياه عبد الحارث.

قال الكلبي: قال إبليس لها: إن دعوت الله فولدت إنسانًا أتسمينه بي؟ قالت: نعم، فلما ولدت قال سميه بي، قالت: وما اسمك قال الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث.

وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله، وعبيد الله وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش. وجاء في الحديث: "خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض".

وقال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله فأتاهما إبليس فقال لهما: ما سميتما ابنكما؟ قالا عبد الله -وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله فمات -فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما، لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلكم على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه عبد شمس. والأول أصح، فذلك قوله: {فلما آتاهما صالحًا}

{فلما آتاهما صالحًا} بشرًا سويًا {جعلا له شركاء فيما آتاهما} قرأ أهل المدينة وأبو بكر: "شركًا" بكسر الشين والتنوين، أي: شركة. قال أبو عبيدة: أي: حظًا ونصيبًا، وقرأ الآخرون: "شركاء" بضم الشين ممدودًا على جمع شريك، يعني: إبليس، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع. أي: جعلا له شريكًا إذ سمياه عبد الحارث، ولم يكن هذا إشراكًا في العبادة ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم كان نبيًا معصومًا من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على ما لا يراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك. وقال يوسف لعزيز مصر: إنه ربي، ولم يرد به أنه معبوده، كذلك هذا.

وقوله: {فتعالى الله عما يشركون} قيل: هذا ابتداء كلام وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم.

وفي الآية قول آخر: وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول الحسن وعكرمة، ومعناه: جعل أولادهما شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال: "ثم اتخذتم العجل"، "وإذ قتلتم نفسًا" خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهودوًا ونصروًا، وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد مناة ونحوه. وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم، أي: خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها زوجها، وهذا قول حسن، لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة المفسرين أنه في آدم وحواء(12).

تفسير الكشاف مع الحواشي:

قال الزمخشري (ت 538 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

فَلَمَّا آتاهُما ما طلباه من الولد الصالح السوىّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أي: جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فِيما آتاهُما أي: آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ حيث جمع الضمير. وآدم وحواء بريئان من الشرك. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم اللّه: تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة وعبد شمس وما أشبه ذلك، مكان عبد اللّه وعبد الرحمن وعبد الرحيم. ووجه آخر وهو أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهم آل قصى ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد: فَيَا لَقُصَىّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ بِهِ مِنْ فَخَارٍ لَا يُبَارَى وَسُودَدِ

ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصىّ، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوىّ جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصىّ وعبد الدار، وجعل الضمير في يُشْرِكُونَ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وهذا تفسير حسن لا إشكال فيه. وقرئ: شركاء أي ذوى شرك وهم الشركاء، أو أحدثا اللّه شركا في الولد(13).

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:

قال ابن عطية (ت 542هـ):

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193)

يقال: إن الآية المتقدمة هي في آدم وحواء وإن الضمير في قوله آتاهُما عائد عليهما، قال إن الشرك الذي جعلاه هو في الطاعة، أي: أطاعا إبليس في التسمية بعبد الحارث كما كانا في غير ذلك مطيعين لله، وأسند الطبري في ذلك حديثا من طريق سمرة بن جندب، ويحتمل أن يكون الشرك في أن جعلا عبوديته بالاسم لغيره، وقال الطبري والسدي في قوله تعالى: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) إنه كلام منفصل ليس من الأول، وإن خبر آدم وحواء تم في قوله: (فَلَمَّا آتاهُما)، وإن هذا كلام يراد به مشركو العرب.

قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم لا يساعده اللفظ، ويتجه أن يقال تعالى الله عن ذلك اليسير المتوهم من الشرك في عبودية الاسم، ويبقى الكلام في جهة أبوينا آدم وحواء عليهما السلام، وجاء الضمير في (يُشْرِكُونَ) ضمير جمع؛ لأن إبليس مدبر معهما تسمية الولد عبد الحارث، ومن قال إن الآية المتقدمة إنما الغرض منها تعديد النعمة في الأزواج وفي تسهيل النسل والولادة ثم ذكر سوء فعل المشركين بعقب ذلك، قال في الآية الأخيرة إنها على ذلك الأسلوب وإن قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) المراد بالضمير فيه: المشركين، والمعنى في هذه الآية: فلما آتى الله هذين الإنسانين صالحًا، أي: سليمًا، ذهبا به إلى الكفر وجعلا لله فيه شركا، وأخرجاه عن الفطرة، ولفظة الشرك تقتضي نصيبين، فالمعنى: وجعلا لله فيه ذا شرك؛ لأن إبليس أو أصنام المشركين هي المجعولة، والأصل أن الكل لله تعالى، وبهذا حل الزجاج اعتراض من قال ينبغي أن يكون الكلام «جعلا لغيره شركًا» وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر «شركًا» بكسر الشين وسكون الراء على المصدر، وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد وعاصم وأبان بن تغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم «شركاء» على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير وقلقه على قول من يقول: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مصحف أبيّ ابن كعب (فلما آتاهما صالحًا أشركا فيه)، وذكر الطبري في قصص حواء وآدم وإبليس في التسمية بعبد الحارث وفي صورة مخاطبتهم أشياء طويلة لا يقتضي الاختصار ذكرها.

وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وعاصم «(عما يشركون أيشركون) بالياء من تحت فيهما، وقرأ أبو عبد الرحمن (عما تشركون) بالتاء من فوق (أتشركون ما لا يخلق) الآية، وروى بعض من قال: إن الآيات في آدم وحواء أن إبليس جاء إلى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله فقال: إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس، فولد له ولد فسماه كذلك، وإياه عنى بقوله: (أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وَهُمْ يُخْلَقُونَ) على هذا عائد على آدم وحواء والابن المسمى عبد شمس، ومن قال بالقول الآخر قال: إن هذه في مشركي الكفار الذين يشركون الأصنام في العبادة وإياها أراد بقوله: (ما لا يَخْلُقُ)، وعبر عنها بهم كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها وبحسب أسمائها، (ويُخْلَقُونَ) معناه: ينحتون ويصنعون، ويحتمل على قراءة (يشركون) بالياء من تحت أن يكون المعنى وهؤلاء المشركون يخلقون، أي: فكان قولهم أن يعتبروا بأنهم مخلوقون فيجعلون إلههم خالقهم لا من لا يخلق شيئًا.

قوله تعالى: (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) الآية، هذه تخرج على تأويل من قال إن المراد آدم وحواء والشمس على ما تقدم، ولكن بقلق وتعسف من المتأول في المعنى، وإنما تتسق هذه الآيات ويروق نظمها ويتناصر معناها على التأويل الآخر، والمعنى: ولا ينصرون أنفسهم من أمر الله وإرادته، ومن لا يدفع عن نفسه فأحرى أن لا يدفع عن غيره.

وقوله تعالى: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى) الآية، من قال: إن الآيات في آدم عليه السلام قال: إن هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، مستأنفة في أمر الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهم الهاء والميم من (تَدْعُوهُمْ)، ومن قال بالقول الآخر قال: إن هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة من قرأ (يشركون) بالياء من تحت، وللكفار فقط على من قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف، أي: إن هذه حال الأصنام معكم إن دعوتموهم لم يجيبوكم إذ ليس لهم حواس ولا إدراكات، وقرأ نافع وحده (لا يتبعوكم) بسكون التاء وفتح الباء، وقرأ الباقون (لا يتّبعوكم) بشد التاء المفتوحة وكسر الباء والمعنى واحد، وفي قوله تعالى: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ) عطف الاسم على الفعل، إذ التقدير: أم صمتُّم، ومثل هذا قول الشاعر: [الطويل]

سواء عليك الفقر أم بت ليلة... بأهل القباب من نمير بنت عامر(14).

أحكام القرآن:

قال ابن العربي المالكي (ت 543هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

في المعني بها: وفي ذلك قولان:

أحدهما: أن المراد بذلك «حواء الأم الأولى، حملت بولدها، فلم تجد له ثقلا، ولا قطع بها عن عمل، فكلما استمر بها ثقل عليها، فجاءها الشيطان وقال لها: إن كنت تعلمين أن هذا الذي يضطرب في بطنك من أين يخرج من جسمك؛ إنه ليخرج من أنفك، أو من عينك، أو من فمك، وربما كان بهيمة؛ فإن خرج سليما يشبهك تطيعينني فيه؟ قالت له: نعم. فذكرت ذلك لآدم، فقال لها: هو صاحبك الذي أخرجك من الجنة. فلما ولدت في حديث طويل سمته عبد الحارث بإشارة إبليس بذلك عليها، وكان اسمه في الملائكة الحارث، فذلك قوله تعالى: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: 190].» وذلك مذكور ونحوه في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره.

وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات، ولا يعول عليها من له قلب؛ فإن آدم وحواء وإن كان غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وما كانا بعد ذلك ليقبلا له نصحا ولا يسمعا منه قولا.

الثاني: أن المراد بهذا جنس الآدميين؛ فإن حالهم في الحمل وخفته وثقله إلى صفة واحدة. وإذا خف عليهم الحمل استمروا به؛ فإذا ثقل عليهم نذروا كل نذر فيه، فإذا ولد لهم ذلك الولد جعلوا فيه لغير الله شركاء في تسميته وعمله، حتى إن منهم من ينسبه إلى الأصنام، ويجعله لغير الله وعلى غير دين الإسلام، وهذا القول أشبه بالحق، وأقرب إلى الصدق، وهو ظاهر الآية وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر، فكيف بسادتهم وأنبيائهم(15).

تذكرة الأريب في تفسير الغريب:

قال ابن الجوزي (ت 597 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

أي: مشابهًا لها، وخافا أن يكون بهيمة وذلك أن إبليس أتى حواء فقال لعل حملك خنزير أو كلب أرأيت إن دعوت الله فجعله إنسانا مثلك، ومثل آدم أتسمينه باسمي، قالت نعم فحينئذ دعوا الله ربهما فلما ولدته جاءها قال اين ما وعدتني قالت ما اسمك قال الحارث فسمته عبد الحارث ورضي ادم بذلك فلذلك قوله تعالى جعلا له شركاء أي شريكا والمعنى أطاعا إبليس في الاسم وقيل الضمير في قوله جعلا له شركاء عائد الى النفس وزوجه من ولد ادم لا الى ادم وحواء والذين جعلوا له شركاء الكفار به تدعون من دون الله يعني الاصنام عباد أي: مذللون لأمر الله فليستجيبوا لكم أي فليجيبوكم، وإن تدعوهم يعني: الأصنام، وقيل: المشركون فعلى الأول وتراهم ينظرون إليك لأن للأصنام أعينا مصنوعة وعلى الثاني ينظر المشركون بأعينهم وهم لا يبصرون بقلوبهم(16).

زاد المسير في علم التفسير:

قال ابن الجوزي (ت 597هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «شركاء» بضم الشين والمدّ، جمع شريك.

وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «شِركًا» مكسورة الشين على المصدر، لا على الجمع، قال أبو علي: من قرأ «شِرْكًا» حذف المضاف، كأنه أراد: جعلا له ذا شِرك، وذوي شريك فيكون المعنى: جعلا لغيره شِركًا؛ لأنه إذا كان التقدير: جَعلا له ذوي شرك، فالمعنى: جعلا لغيره شركًا وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ «شركاء».

وقال غيره: معنى «شركاء»: شريكًا، فأوقع الجمع موقع الواحد كقوله تعالى: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، والمراد بالشريك: إبليس، لأنهما أطاعاه في الاسم، فكان الشرك في الطاعة، لا في العبادة ولم يقصدا أن الحارثَ ربُّهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما وقد يُطلَق العبد على من ليس بمملوك. قال الشاعر:

وإني لَعبدُ الضَّيف ما دَامَ ثَاويًا... وما فيَّ إلا تِلْكَ مَنْ شِيْمَةِ العَبْدِ

وقال مجاهد: كان لا يعيش لآدم ولد، فقال الشيطان: إذا وُلد لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فأطاعاه في الاسم، فذلك قوله تعالى: (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما)، هذا قول الجمهور.

وفيه قول ثان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أشرك آدم، إن أول الآية لَشكر، وآخرها مَثَل ضربه الله لمن يعبده في قوله عزّ وجلّ: (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما).

وروى قتادة عن الحسن، قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهوَّدوهم ونصَّروهم.

وروي عن الحسن، وقتادة قالا: الضمير في قوله:

(جعلا له شركاء) عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم، لا إلى آدم وحواء.

وقيل: الضمير راجع إلى الولد الصالح، وهو السليم الخلْق، فالمعنى: جعل له ذلك الولدُ شركاء. وإنما قال: (جعلا)؛ لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرًا وأُنثى.

قال ابن الأنباري: الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء، فتأويل الآية: (فلما آتاهما صالحًا) جعل أولادُهُما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ). وذهب السدي إلى أن قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) في مشركي العرب خاصة، وأنها مفصولة عن قصة آدم وحوّاء(17).

مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير:

قال فخر الدين الرازي (ت 606هـ):

اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مسائل:

المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) وهي: نفس آدم، (وخلق منها زوجها) أي: حواء، خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى، (فلما تغشاها آدم حملت حملًا خفيفًا... فلما أثقلت) أي: ثقل الولد في بطنها، أتاها إبليس في صورة رجل، وقال: ما هذا يا حواء؟ إني أخاف أن يكون كلبًا أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك؟ فخافت حواء، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها وقال: إن سألت الله أن يجعله صالحًا سويًا مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث، فذلك قوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما) أي: لما آتاهما الله ولدًا سويًا صالحًا جعلا له شريكًا، أي: جعل آدم وحواء له شريكا، والمراد به الحرث هذا تمام القصة.

واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه:

الأول: أنه تعالى قال: (فتعالى الله عما يشركون) وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.

الثاني: أنه تعالى قال بعده: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون) وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.

الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: "أيشركون من لا يخلق شيئًا"، ولم يقل ما لا يخلق شيئًا، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما».

الرابع: أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالمًا بجميع الأسماء كما قال تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها فكان لابد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث، فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى إنه لم يجد سوى هذا الاسم؟

الخامس: أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار. فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله: (وعلم آدم الأسماء كلها) [البقرة: 31] وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها.

السادس: أن بتقدير أن آدم عليه السلام سماه بعبد الحرث، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله. فإن كان الأول لم يكن هذا شركًا بالله؛ لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولًا بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكا في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم، وذلك لا يقوله عاقل. فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه.

إذا عرفت هذا فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد.

التأويل الأول: ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانًا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدًا صالحًا سويًا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك. فلما آتاهما الله ولدًا صالحًا سويًا، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام.

ثم قال تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) أي: تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد.

التأويل الثاني: بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم آل قصي، والمراد من قوله: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي (جعلا له شركاء فيما آتاهما) حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في يشركون لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.

التأويل الثالث: أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه:

الأول: أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام، وحكى عنهما أنهما قالا: (لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين) أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدًا سويًا صالحًا لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء) فقوله: جعلا له شركاء ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، والتقرير: فلما آتاهما صالحا أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: (فتعالى الله عما يشركون) أي: تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام، ونظيره أن يُنعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام، ثم يقال لذلك المنعِم: إن ذلك المنعَم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك، فيقول ذلك المنعِم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا، ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا هاهنا.

الوجه الثاني: في الجواب أن نقول: إن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما) فنقول: التقدير: فلما آتاهما ولدًا صالحًا سويًا جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذا فيما آتاهما، أي فيما آتى أولادهما ونظيره قوله: (وسئل القرية) [يوسف: 82] أي: واسأل أهل القرية.

فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: (جعلا له شركاء).

قلنا: لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله: جعلا المراد منه الذكر والأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون).

الوجه الثالث: في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) عائد إلى آدم وحواء عليهما السلام، إلا أنه قيل: إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفًا على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق، ثم بدا لهم في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته، وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا قال تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكيا عن الله سبحانه: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه».

وعلى هذا التقدير: فالإشكال زائل.

الوجه الرابع: في التأويل أن نقول: سلمنا صحة تلك القصة المذكورة، إلا أنا نقول: إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث، وقد يسمى المنعَم عليه عبدًا للمنعِم، يقال في المثل: أنا عبد من تعلمت منه حرفًا، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان: كتابة عبد وده فلان. قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا... ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا

فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيها على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتبا في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية.

المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ الآية وفيها مباحث:

المبحث الأول: قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) المشهور أنها نفس آدم وقوله: (خلق منها زوجها) المراد: حواء. قالوا: ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم.

قالوا: والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل، والجنسية علة الضم، وأقول هذا الكلام مشكل؛ لأنه تعالى لما كان قادرًا على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول إنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضًا ابتداء؟ وأيضًا الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء، وأيضًا الذي يقال: إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح.

بقي أن يقال: إذا لم نقل بذلك، فما المراد من كلمة (من) في قوله: (وجعل منها زوجها) فنقول: قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه، وأخرى بحسب نوعه، قال عليه الصلاة والسلام: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع.

وقال عليه الصلاة والسلام: «في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون»

والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود: التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنسانًا مثله قوله: فلما تغشاها أي: جامعها، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها، ومثله يجللها، وهو يشبه التغطي واللبس. قال تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن).

وقوله: (حملت حملًا خفيفًا) قالوا يريد النطفة والمني والحَمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر، والحِمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة. وقوله: (فمرت به) أي: استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة، والمراد: أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل. قال صاحب «الكشاف»: وقرأ يحيى بن يعمر (فمرت به) بالتخفيف، وقرأ غيره (فمارت به) من المرية. كقوله: (أفتمارونه) [النجم: 12] وفي قراءة أخرى (أفتمرونه) معناه: وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه، (فلما أثقلت) أي: صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها، (دعوا الله ربهما) يعني: آدم وحواء لئن آتيتنا صالحًا، أي: ولدًا سويًا مثلنا (لنكونن من الشاكرين) لآلائك ونعمائك، (فلما آتاهما الله صالحًا جعلًا له شركاء فيما آتاهما) والكلام في تفسيره: قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص (عنه شركاء) بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر (عنه شركا) بكسر الشين وتنوين الكاف، ومعناه: جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكًا في الولد، ومن قرأ شركاء فحجته قوله: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا) [الرعد: 16] وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس؛ لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم(18).

البحر المحيط:

قال أبو حيان الأندلسي (ت 654 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها). مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تقدم سؤال الكفار عن الساعة ووقتها، وكان فيهم من لا يؤمن بالبعث ذكر ابتداء خلق الإنسان وإنشائه تنبيهًا على أن الإعادة ممكنة، كما أن الإنشاء كان ممكنًا، وإذا كان إبرازه من العدم الصرف إلى الوجود واقعًا بالفعل، وإعادته أحرى أن تكون واقعة بالفعل، وقيل: وجه المناسبة أنه لما بين الذين يلحدون في أسمائه ويشتقون منها أسماء لآلهتهم وأصنامهم وأمر بالنظر والاستدلال المؤدي إلى تفرده بالإلهية والربوبية بين هنا أن أصل الشرك من إبليس لآدم وزوجته حين تمنيا الولد الصالح، وأجاب اللّه دعاءهما فأدخل إبليس عليهما الشرك بقوله: سمياه عبد الحرث فإنه لا يموت، ففعلا ذلك، وقال أبو عبد اللّه الرازي ما ملخصه لما أمر بالنظر في الملكوت الدال على الوحدانية، وقسم خلقه إلى مؤمن وكافر، ونفى قدرة أحد من خلقه على نفع نفسه أو ضرّها رجع إلى تقرير التوحيد. انتهى، والجمهور على أن المراد بقوله: (مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) آدم عليه السلام، فالخطاب بخلقكم عام، والمعنى: أنكم تفرعتم من آدم عليه السلام، وأن معنى وجعل منها زوجها: هي حواء، (ومِنْها) إما من جسم آدم من ضلع من أضلاعه وإما أن يكون من جنسها كما قال تعالى جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وقد مرّ هذان القولان في أول النساء مشروحين بأكثر من هذا ويكون الإخبار بعد هذه الجملة عن آدم وحواء ويأتي تفسيره إن شاء اللّه تعالى، وعلى هذا القول فسّر الزمخشري الآية وقد رد هذا القول أبو عبد اللّه الرازي وأفسده من وجوه. الأول فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ فدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.

الثاني أنه قال بعده أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وهذا ردّ على من جعل الأصنام شركاء ولم يجر لإبليس في هذه الآية ذكر، الثالث لو كان المراد إبليس لقال أيشركون من لا يخلق ثم ذكر الرازي ثلاثة وجوه أخر من جهة النظر يوقف عليها من كتابه.

وقال الحسن وجماعة الخطاب لجميع الخلق والمعنى في هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ من هيئة واحدة وشكل واحد وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي من جنسها ثم ذكر حال الذكر والأنثى من الخلق ومعنى جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أي حرفاه عن الفطرة إلى الشرك كما جاء: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه هما اللذان يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه».

وقال القفال نحو هذا القول قال هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها وذكر حال الزوج والزوجة وجَعَلا أي الزوج والزوجة، للّه تعالى شركاء فيما آتاهما لأنهما تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجّمين وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام انتهى، وعلى هذا لا يكون لآدم وحوّاء ذكر في الآية، وقيل الخطاب بخلقكم خاص وهو لمشركي العرب كما يقرّبون المولود للات والعزى والأصنام تبركا بهم في الابتداء وينقطعون بأملهم إلى اللّه تعالى في ابتداء خلق الولد إلى انفصاله ثم يشركون فحصل التعجب منهم، وقيل: الخطاب خاص أيضا وهو لقريش المعاصرين للرسول صلى اللّه عليه وسلم ونَفْسٍ واحِدَةٍ هو قضى منها أي من جنسها زوجة عربية قرشية ليسكن إليها والصالح الولد السوي جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ حيث سميا أولادهما الأربعة عبد مناف وعبد العزّى وعبد قصي وعبد الدار والضمير في يُشْرِكُونَ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك انتهى.

لِيَسْكُنَ إِلَيْها ليطمئن ويميل ولا ينفر لأنّ الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس وإذا كان منها على حقيقته فالسكون والمحبة أبلغ كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه أو أكثر لكونه بعضا منه وأنث في قوله مِنْها ذهابا إلى لفظ النفس ثم ذكر في قوله لِيَسْكُنَ حملا على معنى النفس ليبين أن المراد بها الذكر آدم أو غيره على اختلاف التأويلات وكان الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى.

فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ إن كان الخبر عن آدم فخلق حواء كان في الجنة وأما التغشّي والحمل فكانا في الأرض والتغشي والغشيان والإتيان كناية عن الجماع ومعنى الخفة أنها لم تلق به من الكرب ما يعرض لبعض الحبالى ويحتمل أن يكون حَمْلًا مصدرا وأن يكون ما في البطن والحمل بفتح الحاء ما كان في بطن أو على رأس الشجرة وبالكسر ما كان على ظهر أو على رأس غير شجرة، وحكى يعقوب في حمل النخل، وحكى أبو سعيد في حمل المرأة حمل وحمل، وقال ابن عطية: الحمل الخفيف هو المني الذي تحمله المرأة في فرجها، وقرأ حماد بن سلمة عن ابن كثير حَمْلًا بكسر الحاء، وقرأ الجمهور فَمَرَّتْ بِهِ، قال الحسن: أي استمرت به، وقيل: هذا على القلب أي فمر بها أي استمر بها، وقال الزمخشري: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا إزلاق، وقيل: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يعني النطفة فَمَرَّتْ بِهِ فقامت به وقعدت فاستمرت به انتهى، وقرأ ابن عباس فيما ذكر النقاش وأبو العالية ويحيى بن يعمر وأيوب فَمَرَّتْ بِهِ خفيفة الراء من المرية أي فشكت فيما أصابها أهو حمل أو مرض، وقيل معناه استمرت به لكنهم كرهوا التضعيف فخففوه نحو وقرن فيمن فتح من القرار، وقرأ عبد اللّه بن عمرو بن العاصي والجحدري: فمارت به بألف وتخفيف الراء أي جاءت وذهبت وتصرفت به كما تقول مارت الريح مورا ووزنه فعل، وقال الزمخشري: من المرية كقوله تعالى أَفَتُمارُونَهُ ومعناه ومعنى المخففة فمرت وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت به ووزنه فاعل، وقرأ عبد اللّه فاستمرت بحملها، وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضا والضحاك فاستمرت به، وقرأ أبي بن كعب والجرمي فاستمارت به والظاهر رجوعه إلى المرية بني منها استفعل كما بني منها فاعل في قولك ماريت.

فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. أي دخلت في الثقل كما تقول أصبح وأمسى أو صارت ذات ثقل كما تقول أتمر الرجل وألبن إذا صار ذا تمر ولبن، وقال الزمخشري: أي حان وقت ثقلها كقوله أقربت، وقرىء أَثْقَلَتْ على البناء للمفعول رَبَّهُما أي مالك أمرهما الذي هو الحقيق أن يدعى ومتعلق الدعاء محذوف يدل عليه جملة جواب القسم أي دَعَوَا اللَّهَ ورغبا إليه في أن يؤتيهما صالِحًا ثم أقسما على أنهما يكونان من الشاكرين إن آتاهما صالحا لأن إيتاء الصالح نعمة من اللّه على والديه كما جاء في الحديث: «إن عمل ابن آدم ينقطع إلا من ثلاث»

فذكر الولد الصالح يدعو لوالده فينبغي الشكر عليها إذ هي من أجل النعم ومعنى صالِحًا مطيعا للّه تعالى أي ولدا طائعا أو ولدا ذكرا لأنّ الذكورة من الصلاح والجودة، قال الحسن: سمياه غلاما، وقال ابن عباس: بشرا سويا سليما، ولَنَكُونَنَّ جواب قسم محذوف تقديره وأقسما لئن آتيتنا أو مقسمين لَئِنْ آتَيْتَنا وانتصاب صالِحًا على أنه مفعول ثان لآتيتنا وفي المشكل لمكي أنه نعت لمصدر أي ابنا صالحا.

فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما من جعل الآية في آدم وحواء جعل الضمائر والإخبار لهما وذكروا في ذلك محاورات جرت بين إبليس وآدم وحواء لم تثبت في قرآن ولا حديث صحيح فأطرحت ذكرها، وقال الزمخشري: والضمير في آتَيْتَنا ولَنَكُونَنَّ لهما ولكلّ من تناسل من ذريتهما فَلَمَّا آتاهُما ما طلبا من الولد الصالح السويّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك فيما آتاهما أي آتى أولادهما وقد دلّ على ذلك بقوله تعالى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك ومعنى إشراكهم فيما آتاهم اللّه بتسمية أولادهم بعبد العزّى وعبد مناف وعبد شمس وما أشبه ذلك مكان عبد اللّه وعبد الرحمن وعبد الرحيم انتهى، وفي كلامه تفكيك للكلام عن سياقه وغيره ممن جعل الكلام لآدم وحواء جعل الشرك تسميتهما الولد الثالث عبد الحرث إذ كان قد مات لهما ولدان قبله كانا سمّيا كل واحد منهما عبد اللّه فأشار عليهما إبليس في أن يسميا هذا الثالث عبد الحرث فسمّياه به حرصا على حياته فالشرك الذي جعلا للّه هو في التسمية فقط ويكون الضمير في يُشْرِكُونَ عائدا على آدم وحواء وإبليس لأنه مدبّر معهما تسمية الولد عبد الحرث، وقيل جَعَلا أي جعل أحدهما يعني حواء وأما من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب أو لقريش على ما تقدم ذكره فيتّسق الكلام اتساقا حسنا من غير تكلف تأويل ولا تفكيك.

وقال السدّي والطبري: ثم أخبر آدم وحواء في قوله فيما آتاهما وقوله فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ كلام منفصل يراد به مشركو العرب، قال ابن عطية: وهذا تحكّم لا يساعده اللفظ انتهى، والضمير في لَهُ عائد على اللّه ومن زعم أنه عائد على إبليس فقوله بعيد لأنه لم يجر له ذكر وكذا يبعد قول من جعله عائدا على الولد الصالح وفسّر الشرك بالنصيب من الرزق في الدنيا وكانا قبله يأكلان ويشربان وحدهما ثم استأنف فقال: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني الكفار، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد وإبان بن ثعلب ونافع وأبو بكر عن عاصم شركا على المصدر وهو على حذف مضاف أي ذا شرك ويمكن أن يكون أطلق الشرك على الشريك كقوله: زيد عدل، قال الزمخشري: أو أحدثا للّه إشراكا في الولد انتهى، وقرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمر وشركاء على الجمع ويبعد توجيه الآية أنها في آدم وحواء على هذه القراءة وتظهر باقي الأقوال عليها، وفي مصحف أبيّ فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا أشركا فيه، وقرأ السلمي عما تشركون بالتاء التفاتا من الغيبة للخطاب وكان الضمير بالواو وانتقالا من التثنية للجمع وتقدم توجيه ضمير الجمع على من يعود(19).

تفسير القرآن (وهو اختصار لتفسير الماوردي):

قال العز بن عبدالسلام (ت 660هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{جَعَلا لَهُ شُرَكَآءَ} كان اسم إبليس في السماء " الحارث " فلما ولدت حواء، قال: سميه " عبد الحارث " فسمّته " عبد الله " فمات فلما ولدت ثانيًا قال لها ذلك فأبت، فلما حملت ثالثًا قال لها ولآدم - عليه الصلاة والسلام _ أتظنان أن الله - تعالى - يترك عبده عندكما لا والله ليذهبن به كما ذهب بالأخوين، فسمياه بذلك فعاش فكان إشراكهما في الاسم دون العبادة، أو جعل ابن آدم وزوجته لله شركاء من الأصنام فيما آتاهما، قاله الحسن(20).

الجامع لأحكام القرآن:

قال القرطبي (ت 671هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} الضمير في {دَعَوَا} عائد على آدم وحواء. وعلى هذا القول ما روي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو. وهذا يقوي قراءة من قرأ {فَمَرَتْ بِهِ} بالتخفيف. فجزعت بذلك؛ فوجد إبليس السبيل إليها. قال الكلبي: إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم عليه السلام. فلم يزالا في هم من ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنسانًا أفتسمينه بي؟ قالت: نعم. قال: فإني أدعو الله. فأتاها وقد ولدت فقال: سميه باسمي. فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث -ولو سمى لها نفسه لعرفته- فسمته عبدالحارث. ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات؛ فلا يعول عليها من لم قلب، فإن آدم وحواء عليهما السلام وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه قد سطر وكتب. قال: قال -رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض". وعضد هذا بقراءة السلمي {أتشركون}بالتاء. ومعنى {صَالِحًا} يريد ولدًا سويًا. اختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء. وهي:

قال المفسرون: كان شركًا في التسمية والصفة، لا في العبادة والربوبية. وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبدالحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه؛ كما قال حاتم:

وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا... وما في إلا تيك من شيمة العبد

وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام، وهو الذي يعول عليه. فقوله: {جَعَلا لَهُ} يعني: الذكر والأنثى الكافرين، ويعني: به الجنسان. ودل على هذا {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ولم يقل يشركان. وهذا قول حسن. وقيل: المعنى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} من هيئة واحدة وشكل واحد {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي: من جنسها {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} يعني: الجنسين. وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية؛ فإذا آتاهما الولد صالحًا سليمًا سويًا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين. قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية على هذه الملة - أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". قال عكرمة: لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم. وقال الحسين بن الفضل: وهذا أعجب إلى أهل النظر؛ لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله آدم. وقرأ أهل المدينة وعاصم {شِرْكًا} على التوحيد. وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع، على مثل فعلاء، جمع شريك. وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى، وهي صحيحة على حذف المضاف، أي: جعلا له ذا شرك؛ مثل {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء(21).

أنوار التنزيل وأسرار التأويل:

قال البيضاوي (ت 685هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

أي: جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما، فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: (فتعالى الله عما يشركون). أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون يعني الأصنام. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقًا مثلك، ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث، وكان اسمه حارثًا بين الملائكة فتقبلت، فلما ولدت سمياه عبد الحرث.

وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء، ويحتمل أن يكون الخطاب في خلقكم لآل قصي من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له زوج من جنسه عربية قرشية وطلبا من الله الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم: عبد مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار. ويكون الضمير في يشركون لهما ولأعقابهما المقتدين بهما. وقرأ نافع وأبو بكر «شركًا» أي: شركة بأن أشركا فيه غيره أو ذوي شرك وهم الشركاء، وهم ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها آلهة(22).

مدارك التنزيل وحقائق التأويل - تفسير النسفي:

قال النسفي (ت 710هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فلما آتاهما صالحًا} أعطاهما ما طلبناه من الولد الصالح السوي {جعلا له شركاء} أي: جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك {فيما آتاهما} أي: آتى أولادهما دليله {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} حيث جمع الضمير وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزة وعبد مناف وعبد شمس ونحو ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم، أو يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم آل قصي أي: هو الذي خلقكم من نفس واحدة قصى وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك شركًا مدني وأبو بكر أي: وذوى شرك وهم الشركاء {أيشركون ما لا يخلق} يعني: الأصنام(23).

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية:

قال نجم الدين أبو الربيع الطوفي الصرصري الحنبلي (ت 716 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

[زعم بعضهم أن المراد آدم وحواء؛ كانا لا يعيش لهما ولد فقال لهما إبليس: سموه عبد الحارث وهو اسمه؛ فإنه يعيش. فسمياه، فعاش فنقم الله-عز وجل- عليهما ذلك، ويحتج به من يجيز الكبائر على الأنبياء؛ لأن هذا كبيرة، وقد صدر من آدم وهو نبي، ولا برهان على ثبوت هذا عن آدم سمعي ولا نظري، غير أن ظاهر الآية ونظمها يقتضيه، فالله-عز وجل-أعلم].

وحمله بعض المفسرين على إشراك المشركين عموما بدليل أن في سياقه متصلا به:

{فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} وهو جمع يطابق كثرة المشركين لا تثنية آدم وحواء(24).

التسهيل لعلوم التنزيل:

قال ابن جزي (ت 741هـ):

(جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) أي: لما آتاهما ولدًا صالحًا كما طلبا: جعل أولادهما له شركاء، فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما: أي: فيما آتى أولادهما وذريتهما، وقيل: إن حواء لما حملت جاءها إبليس وقال لها: إن أطعتيني وسميت ما في بطنك عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس الحارث، وإن عصيتني في ذلك قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها إنه عدوّنا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد ثم حملت مرة أخرى فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد ثم حملت مرة ثالثة فسمياه عبد الحارث طمعًا في حياته، فقوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله، والقول الأول أصح لثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقتضي براءة آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته لقوله تعالى: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) بضمير الجمع.

والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة.

وقيل: من نفس واحدة قصي بن كلاب وزوجته و(جعلا له شركاء) أي: سموا أولادهما عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف، وهذا القول بعيد لوجهين: أحدهما: أن الخطاب على هذا خاص بذرية قصي من قريش، والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم، والآخر: أن قوله: (وجعل منها زوجها) فإن هذا يصح في حواء؛ لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي(25).

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف):

قال شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (ت 743 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

(فَلَمَّا آتاهُما) ما طلباه من الولد الصالح السويّ، (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) أي: جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك (فِيما آتاهُما) أي: آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى "إشراكهم فيما آتاهم الله": تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم(26).

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون:

قال السمين الحلبي (ت 756هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، {جَعَلاَ لَهُ}: قيل: ثَمَّ مضاف، أي: جعل له أولادُهما شركاءَ، وإلا فحاشا آدم وحواء من ذلك، وإن جُعِل الضمير ليس لآدم وحواء فلا حاجة إلى تقديره. وقيل في الآية أقوال تقتضي أن يكون الضميرُ لآدم وحواء من غيرِ حَذْفِ مضاف بتأويل ذُكر في التفسير.

وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم (شِرْكًا) بكسر الشين وتسكين الراء وتنوين الكاف. والباقون بضمَّ الشين وفتح الراء ومدِّ الكافِ مهموزةً من غير تنوين، جمع شريك، فالشِرْك مصدرٌ ولا بد من حَذْف مضاف، أي: ذوي شِرْك بمعنى: إشراك، فهو في الحقيقة اسمُ مصدر. وقيل: المرادُ بالشرك النصيبُ، وهو ما جعلاه مِنْ رزقهما له يأكله معهما، وكانا يأكلان ويشربان وحدَهما. فالضمير في «له» يعود على الولد الصالح. وقيل: الضمير في «له» لإِبليس ولم يَجْرِ له ذِكْر. وهذان الوجهان لا معنى لهما. وقال مكي وأبو البقاء وغيرهما: إن التقدير يجوز أن يكون: جَعَلا لغيره شِرْكًا. قلت: هذا الذي قدَّروه هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن: كان ينبغي لمَنْ قرأ شِرْكًا أن يقول: المعنى: جعلا لغيره شِرْكًا [فيما أتاهما] لأنهما لا يُنْكِران أن الأصل لله، فالشرك إنما لجعله لغيره.

قوله: {فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} قيل: هذه جملةٌ استئنافية، والضميرُ في (يشركون) يعود على الكفار، والكلامُ قد تَمَّ قبله. وقيل: يعودُ على آدم وحواء وإبليس، والمرادُ بالإِشراك تسميتهُما لولدٍ ثالث بعبد الحرث، وكان أشار بذلك إبليس، فالإِشراك في التسمية فقط. وقيل: لم يكن آدمُ عَلِم، ويؤيد الوجهَ الأولَ قراءةُ السلمي (عَمَّا تشركون) بتاء الخطاب، وكذلك «أَتُشرِكون» بالخطاب أيضًا وهو التفات(27).

تفسير القرآن العظيم:

قال الإمام ابن كثير (ت 774هـ):

وهذه الآثار يظهر عليها -والله أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله -صلى الله عليه وسلم- «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ولهذا قال الله فتعالى الله عما يشركون ثم قال فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح [الملك: 5] الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم(28).

اللباب في علوم الكتاب:

قال سراج الدين عمر بن علي الحنبلي (ت 775هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، قال المفسِّرون: المعنى: لئن آتيتنا صالحًا بشرًا سويًّا مثلنا لنكوننَّ من الشَّاكرين.

وكانت القصة: أنَّه لمَّا حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما الذي في بطنكِ؟

قالت: ما أدْرِي، قال: إني أخافُ أن يكُون بهيمةً، أو كلبًا، أو خنزيرًا، وما يُدريك من أين يَخْرُج؟ أمن دبرك فيقتلك، أو من فيك أو ينشق بطنك؟ فخافت حوَّاءُ من ذلك وذكرته لآدم، فلم يزالاَ في هُمّ من ذلك، ثمَّ عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلةٍ فإن دعوتُ الله أن يجعله خلقًا سويًّا مثلك، ويُسهِّل عليك خروجه تسميه عبد الحارثِ.

وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك لآدم. فقال: لعلَّهُ صاحبنا الذي قد علمت؛ فعاودها إبليس، فلم يزل بها حتَّى غرَّها؛ فلمَّا ولدْتهُ سمَّيَاهُ عبد الحارثِ.

وروي عن ابن عباسٍ، قال: كانت حوَّاءُ تلدُ فتسميه عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فيصيبهم الموتُ، فأتاهما إبليسُ، وقال: إن سَرَّكُمَا أن يعيش لكما ولدٌ فسمياه عبد الحارث؛ فولدت فسمياهُ عبد الحارث فعاش، وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض.

واعلم أن هذا التأويل فاسدٌ لوجوه:

أحدها: قوله تعالى: {فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} فدلَّ على أن الذين أتوا بهذا الشركِ جماعةٌ.

وثانيها: قال بعدهُ: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} وهذا يدلُّ على أن المقصود من الآية: الرَّد على من جعل الأصنام شركاء للَّهِ تعالى، ولم يجر لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.

وثالثها: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركُون من لا يخلُقُ؛ لأن العاقلَ إنَّما يُذْكَرُ بصيغة من.

ورابعها: أنَّ آدم -عليه السَّلام- كان من أشدّ النَّاس معرفة بإبليس، وكان عالمًا بجميع الأسماءِ كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا} [البقرة: 31] فلا بد وأن يكُون قد علم أن اسم إبليس هو الحارثُ، فمع العداوة الشَّديدة التي بينهُمَا ومع علمه بأنَّ اسم إبليس الحارث كيف يسمِّي ولدهُ بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماءُ بحيث لم يجد سوى هذا الاسم؟

وخامسها: أنَّ أحدنا لو حصل له ولد فجاءهُ إنسان، ودعاه إلى أن يسمي ولده بهذا الاسم لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار، فآدم - عليه السلام - مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا} وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر المنكر؟

وسادسها: أن بتقدير أن آدم عليه الصلاة والسلام، سماه بعبد الحارث، فلا يخلو إمَّا أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له أو جعله صفة له، بمعنى أنَّهُ أخبر بهذا اللفظ أنَّهُ عبد الحارثِ، فإن كان الأول لم يكن هذا شركًا؛ لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلا يلزم من هذه التسمية حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولًا بأن آدم -عليه الصلاة والسلام- اعتقد أنَّ لله شريكًا في الخلق والإيجاد، وذلك يُوجبُ الجزم بكُفْر آدم، وذلك لا يقوله عاقل؛ فثبت فساد هذا القول.

وإذا عُرِفَ ذلك لنقُولُ في تأويل الآية وجوه:

الأول: قال القفالُ -رحمه الله- إنَّه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضَرْب المثل وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حال هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك، كأنَّهُ تعالى يقولُ: هو الذي خلق كُلَّ واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانًا يساويه في الإنسانية، فلمَّا تغشَّى الزَّوج زوجته وظهر الحمل دعا الزَّوج والزَّوجة ربهما إن أتانا ولدًا صالحًا سويًّا لنكونن من الشَّاكرين لآلائك ونعمائك، (فلمَّا آتاهُمَا اللَّهُ ولدًا صالحًا سويًّا) جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ لأنَّهُم تارة ينسبون ذلك الولد غلى الطَّبائعِ كما يقولُ الطبيعيون، وتارة ينسبونه إلى الكواكب كقول المُنجمين، وتارة إلى الأصنامِ والأوثان كقول عبدة الأصنام(29).

تفسير ابن عرفة:

قال ابن عرفة (ت 803هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال ابن عرفة: في قوله تعالى: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) اختلفوا في لفظ شرك هل يحمل على النصف فيقتضي التساوي، أو على ما هو أعم، وهذه الآية حجة لمن يحمله على المعنى الأعم، ومسألة كتاب القرض في المدونة دليل على أنه عنده أعم لأنه جعله فاسدًا، فقال: وإن أقرضت على أن له شركاء في المال لم يسمه كان على قراض مثله إن عمل، وقال غيره: له النصف. وقال في كتاب السلم الثالث: وإن ابتاع رجلان عبدًا فسألهما رجل أن يشركاه فالعبد بينهم ثلاثًا، فهذه تدل على التساوي، وفرق بأن لفظ اشتركا يقتضي التسوية، ولفظ شرك مرادف للتصريف والنصيب مجهول، قال ابن عرفة: وحكى لي الفقيه الأعدل ابن العباس أحمد بن سليمان البرمكي، قال: كنت أتلو القرآن في زاوية بجامع الزيتونة بإزاء سيدي سليمان الزيات؛ فمرت به هذه الآية فوقع في النفس إشكال في فهمها بالنسبة إلى آدم، فقال لي سيدي سليمان: في الحال لم يحتمل الشرك آدم وإنما ذلك منسوب لذريته فعددتها له كرامة ومكاشفة.

قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}

قيل: الضمير عائد على الأصنام، وأجراهم مجرى من يعقل لمعاملتهم إياه معاملة من يعقل، قيل: على المشركين.

ابن عرفة: فعلى الأول: يكون وهم يخلقون علة مانعة من الإشراك؛ أي المشركون أصنامًا مخلوقين مفتقرين إلى موجود أوجدهم، والإله من شرطه ألا يكون مفتقرًا لغيره، وعلى الثاني: يكون دليلًا للتوحيد راجعًا لدلالة التمانع، أي: أتشركون أصنامًا لَا تخلق شيئًا، والغرض إن هؤلاء الكفار في ذواتهم مخلوقين فمن الخالق لهم ليس هو أحد إلا الله تعالى، وقال في هذه الآية: إيماء لتكفير بعض غلاة المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله فسموا ذلك خلقًا(30).

تنوير المقباس من تفسير ابن عباس:

ينسب لعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- (المتوفى: 68هـ)، جمَعه: محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت 817 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} من نفس آدم وحدها {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} خلق من نفس آدم زوجته حواء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} معها {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} أتاها {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} هينًا {فَمَرَّتْ بِهِ} قامت وقعدت تألمًا {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} ثقل الولد في بطنها ظنًا بوسوسة إبليس أنه بهيمة من البهائم {دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} آدميًا وسويًا {لَّنَكُونَنَّ} لنصيرن {مِنَ الشاكرين} لذلك {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحًا} آدميًا سويًا {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ} جعلا له إبليس شريكًا {فِيمَآ آتَاهُمَا} في تسمية ما آتاهما من الولد سمياه عبد الله وعبد الحارث {فَتَعَالَى الله} تبرأ الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ} به من الأصنام(31).

غرائب القرآن ورغائب الفرقان:

قال نظام الدين النيسابوري (ت بعد 850 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

فلما آتاهما صالحًا (كما طلب) جعلا له شركاء (ومن قرأ) شركًا (فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضًا.

أو المراد أحدث لله إشراكًا في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.

والضمير في) يشركون (لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله) جعلا (واردًا بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.

ثم قال) فتعالى الله عما يشركون (أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه برئ من ذلك(32).

تفسير الجلالين:

قال جلال الدين المحلي (ت 864هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فلما آتاهما} ولدًا {صالحًا جعلا له شركاء} وفي قراءة بكسر الشين والتنوين أي: شريكًا {فيما آتاهما} بتسميته عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله وليس بإشراك في العبودية لعصمة آدم وروى سمرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، رواه الحاكم، وقال: صحيح والترمذي وقال حسن غريب {فتعالى الله عما يشركون} أي: أهل مكة به من الأصنام والجملة مسببة عطف على خلقكم وما بينهما اعتراض.{أيشركون} به في العبادة(33).

الجواهر الحسان في تفسير القرآن:

قال الثعالبي (ت 875هـ):

وقال الطبري والسدي في قوله: (فتعالى الله عما يشركون) كلام منفصل من خبر آدم وحواء، يراد به مشركو العرب.

وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقف بعد على صحة ما روي في هذه القصص، ولو صح، لوجب تأويله، نعم روى الترمذي (عن سمرة بن جندب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لما حملت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال لها: سميه عبد الحارث، فسمته عبد الحارث، فعاش ذلك، وكان ذلك من وحي الشيطان، وأمره)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، انفرد به عمر بن إبراهيم، عن قتادة، وعمر شيخ بصري. انتهى.

وهذا الحديث ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كل حال: الواجب التوقف، والتنزيه لمن اجتباه الله، وحسن التأويل ما أمكن، وقد قال ابن العربي في توهين هذا القول وتزييفه:

وهذا القول ونحوه مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات التي ليس لها ثبات، ولا يعول عليها من له قلب، فإن آدم وحواء -وإن كانا غرهما بالله الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وما كانا بعد ذلك ليقبلا له نصحًا، ولا يسمعا له قولًا، والقول الأشبه بالحق: أن المراد بهذا جنس الآدميين.

وقال قوم: إنما الغرض من هذه الآية تعديد النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النسل والولادة، ثم ذكر سوء فعل المشركين الموجب للعقاب، فقال مخاطبًا لجميع الناس: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها) يريد: آدم وحواء، أي: واستمرت حالكم واحدًا واحدًا كذلك، فهذه نعمة يختص كل واحد بجزء منها، ثم جاء قوله: (فلما تغشاها...) إلى آخر الآية، وصفًا لحال الناس واحدًا واحدا، أي: هكذا يفعلون، فإذا آتاهم الله ولدًا صالحًا سليمًا كما أرادوه، صرفوه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين.

قال ابن العربي في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحق وأقرب للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر، فكيف بساداتهم، وأنبيائهم؟! انتهى.

وقرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر: (شركًا) - بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (شركاء) على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقة على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مصحف أُبي بن كعب: (فلما آتاهما صالحًا أشركا فيه).

وقوله: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا...) الآية، ذهب بعض من قال بالقول الأول إلى أن هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدم، وفيه قلق وتعسف من التأويل، في المعنى وإنما تنسق هذه الآيات، ويروق نظمها، ويتناصر معناها على التأويل الأخير، فإنهم قالوا: إن الآية في مشركي الكفار الذي يشركون الأصنام في العبادة، وإياها يراد في قوله: ما لا يخلق، وعبر عن الأصنام بهم كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها وبحسب أسمائها، ويخلقون: معناه: ينحتون ويصنعون، يعني: الأصنام، ويحتمل أن يكون المعنى، وهؤلاء المشركون يخلقون أي: فكان حقهم أن يعبدوا خالقهم، لا من لا يخلق شيئًا، وقرأ أبو عبد الرحمن: (عما تشركون) بالتاء من فوق (أتشركون).

وقوله سبحانه: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) من قال: إن الآيات في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمته في أمر الكفار المعاصرين للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن قال بالقول الآخر، قال: إن هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة من قرأ: (أيشركون) -بالياء من تحت-، وللكفار فقط على قراءة من قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف، أي: هذا حال الأصنام معكم إن دعوتموهم، لم يجيبوكم(34).

تفسير اللباب:

قال أبو حفص عمر بن على ابن عادل الدمشقي الحنبلي (ت 880 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قوله : {جعلا له شركآء} ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد تقديره : فلما آتاهما صالحا أجعلا له شركاء فيما آتاهما ؟ : {فتعالى الله عما يشركون} أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذي يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم - عليه الصلاة والسلام - , ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام , ثم قيل ذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك.

فيقول المنعم : فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا , ثم يقابلني بالشر ؟ إنه بريء عن ذلك.

فقوله : يقابلني بالشر المراد منه : النفي والتبعيد فكذا ههنا.

ثانيها : إن سلمنا أن القصة في آدم وحواء فلا إشكال في ألفاظها إلا قوله {فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء} , أي : جعلا أولادهما شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذا فيما : " آتاهما " أي أولادهما , كقوله : {واسأل القرية} [يوسف 82] أي أهل القرية.

فن قيل : فعلى هذا التأويل ما الفائدة في تثنية قوله " جعلا له " ؟ قلنا : لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله " جعلا " المراد منه الذكر والأنثى فمرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين , ومرة عبر عنهم بلفظ الجمع , وهو قوله : {فتعالى الله عما يشركون}.

وثالثها : سلمنا أن الضمير في قوله : {جعلا له شركآء} عائد إلى آدم وحواء - عليهما السلام - إلا أنه قيل : إنه تعالى لما آتاهما ذلك الولد الصالح عزما أن يجعلاه وقفا على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق , ثم بدا لهما في ذلك , فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها , وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله تعالى وطاعته , وهذا العمل , وإن كان منا طاعة وقربة , إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين , فلهذا قال الله تعالى : {فتعالى الله عما يشركون}.

وقال عليه الصلاة والسلام حاكيا عن الله تعالى : " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه " التأويل الرابع : سلمنا أن القصة في آدم وحواء , إلا أنا نقول : إنما سموه بعيد الحارث لأنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحارث.

وقد يسمى المنعم عليه عبدا للمنعم , كما يقال في المثل : أنا عبد من تعلمت منه حرفا فآدم وحواء إنما سمياه بعبد الحارث لاعتقادهم أن سلامته من الآفات ببركة دعائه , ولا يخرجه ذلك عن كونه عبدا لله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه , وقد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئا المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم عوتب آدم عليه الصلاة والسلام في هذا العمل بسبب الاشتراك في مجرد لفظ العبد.

قوله : " جعلا له " قيل : ثم مضاف , أي : جعل له أولادهما شركاء , كما تقدم في التأويل السابق , وإلا فحاشا آدم وحواء من ذلك , وإن جعل الضمير ليس لآدم وحواء , فلا حاجة إلى تقديره كما مر تقريره.

وقرأ نافع , وأبو بكر عن عاصم شركا بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف.

والباقون بضم الشين , وفتح الراء , ومد الكاف مهموزة , من غير تنوين , جمع " شريك ".

فالشرك مصدر , ولا بد من حذف مضاف , أي : ذوي شرك , يعني : إشراك , فهو في الحقيقة اسم مصدر , ويكون المعنى : أحدثا له إشراكا في الولد , وقيلك المراد بالشرك : النصيب وهو ما جعلاه من رزقهما له يأكله معهما , وكانا يأكلان ويشربان وحدهما , فالضمير في له يعود على الولد الصالح.

وقيل : الضمير في له لإبليس ولم يجر له ذكر , وهذان الوجهان لا معنى لهما.

وقال مكي وأبو البقاء وغيرهما : إن التقدير يجوز أن يكون : جعلا لغيره شركا.

قال شهاب الدين : هذا الذي قدره هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن : كان ينبغي لمن قرأ شركا أن يقول المعنى : جعلا لغيره شركا ؛ لأنهما لا ينكران أن الأصل لله فالشرك إنما يجعله لغيره.

قوله : {فتعالى الله عما يشركون} قيل : هذه جملة استئنافية , والضمير في : يشركون يعود على الكفار , وأراد به إشراك أهل مكة والكلام قد تم قبله , وقيل : يعود على آدم وحواء وإبليس , والمراد بالإشراك تسميتهما الولد الثالث بـ " عبد الحارث " وكان أشار بذلك إبليس , فالإشراك في التسمية فقط , وقيل : راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم , وهو قول الحسن , وعكرمة , أي : جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال : {ثم اتخذتم العجل} [البقرة : 51] {وإذ قتلتم نفسا} [البقرة : 72] خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك الفعل من آبائهم.

وقيل : لم يكن آدم علم , ويؤيد الوجه الأول قراءة السلمي : " عما تشركون " بتاء الخطاب وكذلك " أتشركون " بالخطاب أيضا , وهو التفات(35).

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور:

قال إبراهيم بن عمر البقاعي (ت 882 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

أي: ولدًا لا عيب فيه (لنكونن من الشاكرين)، أي: نحن وأولادنا على نعمتك علينا، وذلك أنهما جوزا أن يكون غير سوى لقدرة الله على كل ما يريد، لأنه الفاعل المختار لا الطبيعية ولا غيرها، وأشار بالفاء إلى قرب الولادة من الدعاء فقال: (فلما آتاهما) أي: أبويكم آدم وحواء (صالحًا) أي: جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنًا وقوة وعقلًا، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكورًا وإناثًا (جعلا) أي: النوعان من أولادها الذكور والإناث، لأن (صالحًا) صفة لولد وهو للجنس فيشمل الذكر والأنثى والفيل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولادًا صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان (له شركاء) أي: بعضهم أصنامًا وبعضهم نارًا وبعضهم غير ذلك، على قراءة الجماعة، وعلى قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم بكسر الشين وإسكان الراء والتنوين التقدير: ذو يشرك (فيما آتاهما) أي: من القوى بالعبادة والرزق بالنذور ونحوها ولما لم يضر المشركون بالإشراك إلا أنفسهم، سبب عن ذلك قوله: (فتعالى الله) أي: بما له من صفات الكمال التي ليست لغيره تعاليًا كثيريًا، والدليل على إدراة النوعين قوله: (عما يشركون) بالجمع، وكذا ما بعده من عيب عبادة الأصنام ولما ذكر علوه سبحانه، شرع من أوصافه عبارة وإشارة ما يدل على ذلك ويقيم الأدلة على عدم صلاحية ما أشركوا به للشركة بعجزها، بأنها من جملة خلقه ولا تصرف لها تستحق به وجهًا من التعظيم، فقال منكرًا على عبادها دالًا على أن المراد الشرك الحقيقي، لا ما ذكر من قصة إبليس في التسمية بعبد الحارث ونحوه: (أيشركون) أي المشركون وأولادهما في العبادة) ما لا يخلق) أي من الأصنام والطبائع والكواكب وغيرها (شيئًا) أي يوجده من العدم كما يفعل الله الذي أشركوها به ولما كان يلزم أن يكون ما لا يخلق شيئًا مخلوقًا لأنه لا يتكون عاجزًا بغير قادر أوجده صرح به في قوله مجريًا للأوثان مجرى أولي العلم لتنزيلهم منزلتهم في الاعتقاد والعبادة: (وهم) ولما كان المصنوع لا يكون صانعًا، اكتفى بالبناء للمفعول فقال: (يخلقون) أي متجددًا خلق أعراضهم وذواتهم وأمثالهم (ولا يستطيعون) أي للمشركين الذين يعبدونها) نصرًا (وهو المعونة على العدو، ولعله عبر بصيغة العاقل إشارة إلى أنهم لو كانوا يعقلون، وكانوا بهذه الصفات الخسيسة ما أهلوهم لأن يكونوا أحبابهم فضلًا عن أن يجعلوهم أربابهم ولما كان من لا ينصر غيره قد ينصر نفسه، نفي ذلك بقوله: (ولا أنفسهم ينصرون) أي في وقت من الأوقات عند يصيبهم بسوء، بل عبدتهم يدافعون عنهم ولما تبين من هذا الاستفهام الإنكاري المعجب من حالهم في ضلالهم في أسلوب الغيبة أن من أشركوه ليس فيه نوع قابلية لما أهلوه، فإن المعبود يجب أن يكون قادرًا، ومن كان عاجزًا نوع عجز كان مربوبًا، وكان للتنبيه بالخطاب ما ليس له بالغيبة؛ أتبع ذلك في أسلوبه تعجيبًا آخر منهم أشد من الأول، وذلك أن معبوداتهم التي أشركوا بها كما أنها لا تفعل من تلقاء أنفسها، لا تفعله عند دعاء الداعي ولا تهتدي إليه(36).

فتح الرحمن في تفسير القرآن:

قال مجير الدين بن محمد العليمي المقدسي الحنبلي (ت 927 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

روي أن الخبيثَ إبليسَ جاءهما، فقال: إنَّ ولدتِهِ سَوِيًّا، فسميهِ عبدَ الحارثِ، وكانَ اسمُه في الملائكةِ الحارثَ.

{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} كما طلبا.

{جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} بتسميتِهِ عبدَ الحارثِ من غيرِ اعتقادٍ لذلك، وإنّما كان شركًا في التسميةِ والصِّفَة، لا في العبادةِ والربوبية، وجاء في الحديث: "خَدَعَهُا إِبْلِيُس مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي الْجَنَّةِ، وَمَرَّةً فِي الأَرْضِ". قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (شِرْكًا) بكسر الشين وإسكان الراء مع التّنوين؛ أي: ذوي شركٍ، وهم الشركاء، والباقون: بضمِّ الشينِ وفتح الراء والمدِّ والهمزِ من غيرِ تنوين، على جمع شريك، يعني: إبليس، وفي الآية قولٌ آخرُ، وهو أن الضميرَ في (آتيتَنا) و (لنكونَنْ) لهما ولأولادِهما، وفي (آتاهما) و (جعلا) لأولادِهما، وفيه حذفُ مضافٍ وإقامةُ المضافِ إليه مقامَه، تقديره: فلما آتى أولادَهما صالحًا، جعلَ أولادُهما للهِ شركاء؛ بأن سَمَّوا عبد شمسٍ، وعبد العزَّى، وعبد يَغوثَ، وغيرِ ذلك، كما أضافَ فعلَ الآباءِ إلى الأبناءِ في تعييرِهم بفعلِ الآباءِ فقال: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 92] {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} [البقرة: 72] خاطبَ بهِ اليهودَ الذين كانوا في عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانَ ذلكَ الفعلُ من آبائِهم، حكى المفسرون كُلًّا من التأويلينِ، وقدم البيضاويُّ في "تفسيره" هذا التأويلَ الثّاني، قال القرطبيُّ: وهو الّذي يُعَوَّلُ عليه، وقال البغويُّ: وهذا قولٌ حسنٌ لولا قولُ السلفِ وجماعةِ المفسرين إنّه في آدمَ وحواءَ، وقال الكواشيُّ: وهو أوجهٌ يعضدُه قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بأن آدمَ وحواءَ لم يكونا مشرِكينِ بإجماعٍ، ولجمعِه الضميرَ في (يشركون)(37).

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير:

قال شمس الدين الخطيب (ت 977هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فلما آتاهما صالحًا} أي: جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنًا وقوّة وعقلًا، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكورًا وإناثًا {جعلًا} أي: النوعان من أولادهما الذكور والإناث؛ لأنّ صالحًا صفة للولد وهو الجنس، فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولادًا صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي: بعضهم أصنامًا وبعضهم نارًا وبعضهم شمسًا وبعضهم غير ذلك، وقيل: جعل أولادهما له شركاء {فيما آتاهما} أي: فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} {أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون} أي: الأصنام.

فإن قيل: كيف وحد {يخلق}، ثم جمع فقال: {وهم يخلقون}؟ أجيب: بأنّ لفظ ما يقع على الواحد والاثنين والجمع، فوحد بحسب ظاهر اللفظ، وجمع باعتبار المعنى.

فإن قيل: كيف جمع الواو والنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس؟ أجيب: بأنه لما اعتقد عابدوا الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع على ما يعتقدونه، وقيل: لما حملت حوّاء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك؟ ولعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك وذكرت لآدم فهُمّا منه، وهو بضمّ الهاء وتشديد الميم من الهم وهو هنا الحزن، ثم عاد إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله على أن يجعله خلقًا مثلك، ويسهل عليك خروجه فسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس حارثًا في الملائكة، ففعلت ولما ولدته سمته عبد الحرث.

فإن قيل: قد قال البيضاويّ: وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء، ويحتمل أن يكون الخطاب في خلقكم لآل قصيّ من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصيّ وكان له زوج من جنسها عربية قرشية فطلبا من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد شمس وعبد مناف وعبد قصيّ وعبد الدار، ويكون الضمير في يشركون لهما ولأعقابهما المقتدين بهما، أجيب: بأنه نظر في ذلك إلى الظاهر وإلا فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحرث فإنه يعيش، فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» رواه الحاكم وقال: صحيح، والترمذيّ وقال حسن غريب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: كانت حواء تلد لآدم فتسميه: عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحرث، فسمياه فعاش، وجاء في حديث «خدعهما إبليس مرتين: مرّة في الجنة ومرّة في الأرض»، وهو قول كثير كمجاهد وسعيد بن المسيب وهذا كما قال البغويّ: ليس إشراكًا في العبادة، ولا أنّ الحرث ربهما فإنّ آدم كان نبيًا معصومًا من الشرك، ولكن قصد إلى أنّ الحرث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمّه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به إنه مملوك كما يطلق اسم الرب على من لا يراد به أنه معبود هذا كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف على وجه الخضوع لا على وجه أنّ الضيف يملكه قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا... ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا

وتقول للغير: أنا عبدك، قال الرازي: ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان عبد ودود فلان، وقال يوسف عليه السلام لعزيز مصر: {إنه ربي} ولم يرد به معبوده كذلك هذا فقوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} ابتداء كلام، وأريد به إشراك أهل مكة، وقرأ نافع وشعبة: «شركًا» بكسر الشين وسكون الراء وألف منونة بعد الكاف في الوصل وفي الوقف بغير تنوين أي: شركة، والباقون بضمّ الشين وفتح الراء وبعد الكاف ألف بعدها همزة مفتوحة.

فإن قيل: المطاع إبليس فكيف يعبر بالجمع؟ أجيب: بأنّ من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إن حملت هذه الآية على القصة المشهورة، أمّا إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل.

{ولا يستطيعون} أي: الأصنام {لهم} أي: لعابديهم {نصرًا} أي: لا تقدر على النصر لمن أطاعها أو عبدها، ولا تضر من عصاها، والمعبود الذي تجب عبادته يكون قادرًا على إيصال النفع والضر، وهذه الأصنام ليست كذلك، فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها؟ {ولا أنفسهم ينصرون} أي: وهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها مكروهًا، فإنّ من أراد كسرها قدر عليه، وهي لا تقدر على دفعه عنها. والاستفهام للتوبيخ(38).

تفسير أبي السعود - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم:

قال أبو السعود (ت 982هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فلما آتاهما صالحًا} لما آتاهما ما طلباه أصالة واستتباعًا من الولد وولد الولد ما تناسلوا فقوله تعالى: {جعلا} أي: جعل أولادهما {له} تعالى {شركاء} على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ثقة بوضوح الأمر وتعويلا على ما يعقبه من البيان وكذا الحال في قوله تعالى: {فيما آتاهما} أي: فيما آتى أولادهما من الأولاد حيث سموهم بعبد مناف وعبد العزى ونحو ذلك، وتخصيص إشراكهم هذا بالذكر في مقام التوبيخ مع أن إشراكهم بالعبادة أغلظ منه جناية وأقدم وقوعًا لما أن مساق النظم الكريم لبيان إخلالهم بالشكر في مقابلة نعمة الولد الصالح، وأول كفرهم في حقه إنما هو تسميتهم إياه بما ذكر وقريء "شركًا" أي: شركة أو ذوي شركة أي: شركاء، إن قيل: ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصادر إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضًا بسرايته إليه حقيقة أو حكمًا، وتتضمن نسبته إليه صورة يقتضيها المقام، كما في مثل قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون) الآية، فإن الإنجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا بأسلاف اليهود قد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام الامتنان حقه، وكذا في قوله تعالى: (قل فلم تقتلون أنبياء الله) الآية، فإن القتل حقيقة مع كونه من جناية آبائهم قد أسند إليهم بحكم رضاهم به أداء لحق مقام التوبيخ والتبكيت، ولا ريب في أنهما عليهما الصلاة والسلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه، فما وجه إسناده إليهما صورة؟ قلنا: وجهه الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما، والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعدًا مؤكدًا باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلف مع ما فيه من الإشعار، بتضاعف جنايتهم ببيان أنهم بجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف، وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية على الله تعالى والجناية عليهما -عليهما السلام- {فتعالى الله عما يشركون} تنزيه فيه معنى التعجب، والفاء لترتيبه على ما فصل من أحكام قدرته تعالى، وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وصيغة الجمع لما أشير إليه من تعين الفاعل وتنزيه آدم وحواء عن ذلك وما في عما إما مصدرية أي: عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة، أي: عما يشركونه به سبحانه، والمراد بإشراكهم: إما تسميتهم المذكورة أو مطلق إشراكهم المنتظم لها انتظامًا أوليًا، وقريء تشركون بتاء الخطاب بطريق الالتفات، وقيل: الخطاب لآل قصي من قريش، والمراد بالنفس الواحدة: نفس قصي، فإنهم خلقوا منه، وكان له زوج من جنسه عربية قرشية، وطلبًا من الله تعالى ولدًا صالحًا، فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد قصي وعبد الدار، وضمير يشركون لهما ولأعقابهما المقتدين بهما، وأما ما قيل: من أنه لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب أو خنزير، وما يدريك من أين يخرج فخافت ذلك فذكرته لآدم، فأهمهما ذلك ثم عاد إليها وقال إني من الله تعالى بمنزلة، فإن دعوته أن يجعله خلقًا مثلك، ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث، وكان اسمه حارثًا في الملائكة فقبلت، فلما ولدته سمته عبد الحرث فمما لا تعويل عليه كيف لا وأنه -صلى الله عليه وسلم- كان علمًا في علم الأسماء والمسميات فعدم علمه بإبليس، واسمه واتباعه إياه في مثل هذا الشأن الخطير أمر قريب من المحال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال(39).

روح البيان:

قال إسماعيل حقي (ت 1127هـ):

والأظهر تقرير أبى السعود حيث قال في تفسيره (فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا) أي: لما آتاهما ما طلباه أصالة واستتباعًا من الولد وولد الولد ما تناسلوا (جعلا) أي: جعل أولادهما له تعالى (شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) أي: فيما آتى أولادهما من الأولاد ففي الكلام حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وإلا لزم نسبتهما أي: آدم وحواء إلى الشرك، وهما بريئان منه بالاتفاق، ويدل على الحذف المذكور صيغة الجمع في قوله تعالى: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: عن إشراكهم وهو تسميتهم المذكورة، ولو كان المراد بالآية آدم وحواء لقال (عما يشركان). (أَيُشْرِكُونَ) به تعالى (ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا) أي: لا يقدر على أن يخلق شيئًا من الأشياء أصلًا، ومن حق المعبود أن يكون خالقًا لعابده (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) عطف على ما لا يخلق، يعنى: الأصنام وإيراد الضميرين بجمع العقلاء مبنى على اعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء، وكانوا يصورونها على صورة من يعقل ووصفها بالمخلوقية بعد وصفها بنفي الخالقية لا بأنه كمال منافاة حالها لما اعتقدوه في حقها (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ) أي: لعبدتهم إذا حزبهم أمر مهم (نَصْرًا) أي: نصرًا ما بجلب منفعة أو دفع مضرة (وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث، كما إذا أراد أحد أن يكسرها أو يلطخها بالألواث والأرواث(40).

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد:

قال ابن عجيبة (ت 1224هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

يقول الحق جلّ جلاله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) آدم عليه السلام، (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) أي: خلق من ضلعها زوجها حواء، سلها منه وهو نائم، (لِيَسْكُنَ إِلَيْها) ليستأنس بها، ويطمئن بها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه. (فَلَمَّا تَغَشَّاها) أي: جامعها حين رُكبت فيه الشهوة، (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) أي: خف عليها، ولم تلق منه ما تلقى بعضُ الحبالى من حملهن من الأذى والكرب، أو حملًا خَفيفًا، يعني: النطفة قبل تصورها، (فَمَرَّتْ بِهِ) أي: ذهبت وجاءت به، مخففة، واستمرت إلى حين ميلاده، (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ) أي: ثقل حملها، وصارت به ثقيلة لكبره في بطنها، (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما) آدم وحواء، قائلين: (لَئِنْ آتَيْتَنا ولدًا صالِحًا) أي: سويًا سالمًا في بدنه، تام الخلقة، (لَنَكُونَنَّ) لك (مِنَ الشَّاكِرِينَ) على هذه النعمة المجددة. (فَلَمَّا آتاهُما ولدًا صالِحًا) كما سألا، جعل أولادُهما لَهُ (شُرَكاءَ فِيما آتاهُما)، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح. وقد يُعاتبُ المِلكُ الأب على ما فعل أولادهُ، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له: أولادك فعلوا وفعلوا، على عادة الملوك.

وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليسُ في صورة الرجل، فقال لها: وما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب، وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك، ثم قال لها: إن أطعتيني، وسميته عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس في الملائكة: الحارث، وإن عصيتنى قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها: إنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى، فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة ثالثة، فسمياه عبد الحارث طمعًا في حياته، فقوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله.

والقول الأول أصح، لثلاثة أوجه:

أحدها: أنه يقتضي براءة آدم وحواء من الشرك، قليله وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء -عليهم السلام-.

والثاني: أنَّ جمع الضمير في قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، يقتضي أن الشرك وقع من أولادهما، لا منهما.

الثالث: أن هذه القصة تفتقر إلى نقل صحيح، وهو غير موجود(41).

فتح القدير:

قال الشوكاني (ت 1250هـ):

قال كثير من المفسرين: إنه جاء إبليس إلى حواء وقال لها: إن ولدت ولدًا فسميه باسمي فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته، فسمته عبد الحارث فكان هذا شركًا في التسمية ولم يكن شركًا في العبادة، وإنما قصد أن الحارث كان سبب نجاة الولد، كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه، كما قال حاتم الطائي:

وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا... وما في إلا تلك من شيمة العبد

وقال جماعة من المفسرين: إن الجاعل شركًا فيما آتاهما هم جنس بني آدم، كما وقع من المشركين منهم، ولم يكن ذلك من آدم وحواء، ويدل على هذا جمع الضمير في قوله: (فتعالى الله عما يشركون).

وذهب جماعة من المفسرين إلى أن معنى (من نفس واحدة) من هيئة واحدة وشكل واحد، (وجعل منها زوجها) أي: من جنسها، (فلما تغشاها) يعني: جنس الذكر جنس الأنثى، وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين.

وقد قدمنا الإشارة إلى نحو هذا، وذكرنا أنه خلاف الأولى لأمور منها: (وجعل منها زوجها) بأن هذا إنما هو لحواء، ومنها: (دعوا الله ربهما) فإن كل مولود يولد بين الجنسين لا يكون منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء.

وقد قرأ أهل المدينة وعاصم شركًا على التوحيد، وقرأ أبو عمر وسائر أهل الكوفة بالجمع. وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى، وأجيب عنه: بأنها صحيحة على حذف المضاف، أي: جعلا له ذا شرك، أو ذوي شرك، والاستفهام في (أيشركون ما لا يخلق شيئًا) للتقريع والتوبيخ، أي: كيف يجعلون لله شريكًا لا يخلق شيئًا ولا يقدر على نفع لهم ولا دفع عنهم. قوله: (وهم يخلقون) عطف على ما لا يخلق، والضمير راجع إلى الشركاء الذين لا يخلقون شيئًا، أي: وهؤلاء الذين جعلوهم شركاء من الأصنام أو الشياطين مخلوقون، وجمعهم جمع العقلاء لاعتقاد من جعلهم شركاء أنهم كذلك (ولا يستطيعون لهم) أي: لمن جعلهم شركاء نصرًا إن طلبه منهم، (ولا أنفسهم ينصرون) إن حصل عليهم شيء من جهة غيرهم، ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز(42).

روح المعاني:

قال شهاب الدين الألوسي (ت 1270 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

أي: نسلا من جنسنا سويا، وقيل: ولدا سليما من فساد الخلقة كنقص بعض الأعضاء ونحو ذلك وعليه جماعة. وعن الحسن غلاما ذكرا وهو خلاف الظاهر لَنَكُونَنَّ نحن أو نحن ونسلنا مِنَ الشَّاكِرِينَ الراسخين في الشكر لك على إيتائك. وقيل: على نعائمك التي من جملتها هذه النعمة.

وجوز أن يكون ضمير آتيتنا لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما وليس بذلك فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا وهو ما سألاه أصالة من النسل أو ما طلباه أصالة واستتباعا من الولد وولد الولد ما تناسلوا جَعَلا أي النسل الصالح السوي، وثني الضمير باعتبار أن ذلك النسل صنفان ذكر وأنثى وقد جاء أن حواء كانت تلد في كل بطن كذلك لَهُ أي للّه سبحانه وتعالى شُرَكاءَ من الأصنام والأوثان فِيما آتاهُما من الأولاد حيث أضافوا ذلك إليهم، والتعبير «بما» لأن هذه الإضافة عند الولادة والأولاد إذ ذاك ملحقون بما لا يعقل.

وقيل: المراد بالموصول ما يعم سائر النعم فإن المشركين ينسبون ذلك إلى آلهتهم، ووجه العدول عن الإضمار حيث لم يقل شركاء فيه على الوجهين ظاهر، وإسناد الجعل للنسل على حد بنو تميم قتلوا فلانا فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزيه فيه معنى التعجب، والفاء لترتيبه على ما فصل من قدرته سبحانه عز وجل وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وضمير الجمع لأولئك النسل الذين جعلوا للّه شركاء وفيه تغليب المذكر على المؤنث وإيذان بعظم شركهم، والمراد بذلك إما التسمية أو مطلق الإشراك، و«ما» إما مصدرية أي عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركون به تعالى، وهذه الآية عندي من المشكلات، وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض وما ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجبائي وهو مما لا بأس به بعد أعضاء العين عن مخالفته للمرويات سوى تثنية الضمير تارة وجمعه أخرى مع كون المرجع مفردا لفظا ولم نجد ذلك في الفصيح.

واختار غير واحد أن في جعلا وآتاهما بعد مضافا محذوفا وضمير التثنية فيهما لآدم وحواء على طرز ما قبل أي جعل أولادهما فيما آتى أولادهما من الأولاد وإنما قدروه في موضعين ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير من الثاني على المقدر أولا لأن الحذف لم تقم عليه قرينة ظاهرة فهو كالمعدوم فلا يحسن عود الضمير عليه، والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسمية كل واحد من أولادهم بنحو عبد العزى وعبد شمس.

واعترض أولا بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضا بسرايته إليه حقيقة أو حكما ويتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الأعراف: 141] الآية فإن الإنجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا بأسلاف اليهود وقد نسب إلى أخلاقهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام الامتنان حقه وكذا يقال في نظائره وهنا ليس كذلك إذ لا ريب في أن آدم وحواء عليهما السلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه فلا وجه لإسناده إليهما صورة، وثانيا بأن اشراكهم بإضافة أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ تلك الأصنام آلهة ومتفرع له لا أمر حدث عنهم لم يكن قبل فينبغي أن يكون التوبيخ على هذا دون ذلك، وثالثا بأن اشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما اللّه تعالى صالحا بل بعده بأزمنة متطاولة، ورابعا بأن اجراء جعلا على غير ما أجري عليه الأول والتعقيب بالفاء يوجب اختلال النظم الكريم.

وأجيب عن الأول بأن وجه ذلك الإسناد الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعدا مؤكدا باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلف مع ما فيه من الإشعار بتضاعف جنايتهم ببيان أنهم بجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية مع اللّه تعالى والجناية عليهما -عليهما السلام-، وعن الثاني بأن المقام يقتضي التوبيخ على هذا لأنه لما ذكر ما أنعم سبحانه وتعالى به وعليهم من الخلق من نفس واحدة وتناسلهم وبخهم على جهلهم وإضافتهم تلك النعم إلى غير معطيها وإسنادها إلى من لا قدرة له على شيء ولم يذكر أولا أمرا من أمور الألوهية قصدا حتى يوبخوا على اتخاذ الآلهة، وعن الثالث بأن كلمة لما ليست للزمان المتضايق بل الممتد فلا يلزم أن يقع الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور كما يقال: لما ظهر الإسلام طهرت البلاد من الكفر والإلحاد، وعن الرابع بما حرره صاحب الكشف في اختيار هذا القول وإيثار على القول بأن الشرك راجع لآدم وحواء عليهما السلام وليس المتعارف بل ما نقل من تسمية الولد عبد الحارث وهو أن الظاهر أن قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ خطاب لأهل مكة وأنه بعد ما ختمت قصة اليهود بما ختمت تسلية وتشجيعا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحملا له على التثبت والصبر اقتداء بإخوته من أولي العزم عليه وعليهم الصلاة والسلام لا سيما مصطفاه وكليمه موسى عليه السلام فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشبه بما كان يقاسيه صلّى اللّه عليه وسلّم من قريش وذيلت بما يقتضي العطف على المعنى الذي سيق له الكلام أولا أعني قوله سبحانه وتعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ [الأعراف: 181] وقع التخلص إلى ذكر أهل مكة في حاق موقعه فقيل: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ [الأعراف: 182] وذكر سؤالهم عما لا يعنيهم فلما أريد بيان أن ذلك مما لا يهمكم وإنما المهم إزالة ما أنتم عليه منغمسون فيه من أوضار الشرك والآثام مهد له هو الذي خلقكم مضمنا معنى الامتنان والمالكية المقتضيين للتوحيد والعبودية ثم قيل: فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أي جعلتم يا أولادهما ولقد كان في أبويكم أسوة حسنة في قولها: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وكأن المعنى واللّه تعالى أعلم فلما آتاهما صالحا ووفيا بما وعدا به ربهما من القيام بموجب الشكر خالفتم أنتم يا أولادهما فأشركتم وكفرتم النعمة، وفي هذا الالتفات ثم إضافة فعلهم إلى الأبوين على عكس ما جعل من خلق الأب وتصويره في معرض الامتنان متعلقا بهم إيماء إلى غاية كفرانهم وتماديهم في الغي، وعليه ينطبق قوله سبحانه: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم قال: فظهر أن إجراء جعلا له على غير ما أجري عليه الأول، والتعقيب بالفاء لا يوجب اختلال النظم بل يوجب التئامه، والانصاف أن الأسئلة والآية على هذا الوجه من قبيل اللغز، وعن الحسن وقتادة أن ضمير جعلا وآتاهما يعود على النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء عليهما السلام، وهو قول الأصم قال: ويكون المعنى في قوله سبحانه وتعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وخلق لكل نفس زوجا من جنسها فلما تغشى كل نفس زوجها حملت حملا خفيفا وهو ماء الفحل فلما أثقلت بمصير ذلك الماء لحما ودما وعظما دعا الرجل والمرأة ربهما لئن آتيتنا صالحا أي ذكرا سويا لنكونن من الشاكرين وكانت عادتهم أن يئدوا البنات فلما آتاهما أي فلما أعطى اللّه تعالى الأب والأم ما سألاه جعلا له شركاء فسميا عبد اللات وعبد العزى وغير ذلك ثم رجعت الكناية في قوله سبحانه وتعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ إلى الجميع ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلا، ولا يخفى أن المتبادر من صدرها آدم وحواء ولا يكاد يفهم غيرهما رأسا. نعم اختار ابن المنير ما مآله هذا في الانتصاف وادعى أنه أقرب وأسلم مما تقدم وهو أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى ولا يقصد معين من ذلك ثم قال: وكأن المعنى واللّه تعالى أعلم هو الذي خلقكم جنسا واحدا وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة قتل بنو تميم فلانا وإنما قتله بعضهم، ومثله قوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم: 66] وقُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [عبس: 17] إلى غير ذلك وتعقب بأن فيه اجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة.

وعن أبي مسلم أن صدر الآية لآدم وحواء كما هو الظاهر إلا أن حديثهما ما تضمنه قوله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها وانقطع الحديث ثم خص المشركين من أولاد آدم بالذكر، ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص البعض بالذكر، وهو كما ترى. وقيل: يجوز أن يكون ضمير جعلا لآدم وحواء كما هو الظاهر والكلام خارج مخرج الاستفهام الإنكاري والكناية في فَتَعالَى إلخ للمشركين، وذلك أنهم كانوا يقولون: إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويشرك كما نشرك فرد عليهم بذلك ونظير هذا أن ينعم رجل على آخر بوجوه كثيرة من الانعام ثم يقال لذلك المنعم: إن الذي أنعمت عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول: فعلت في حقه كذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم أنه يقابلني بالشر والإساءة ومراده أنه بريء من ذلك ومنفي عنه.

وقيل: يحتمل أن يكون الخطاب في خَلَقَكُمْ لقريش وهم آل قصي فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له زوج من جنسه عربية قريشية وطلبا من اللّه تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار يعني بها دار الندوة ويكون الضمير في يُشْرِكُونَ لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأيد ذلك بقوله في قصة أم معبد:

فيا لقصيّ ما زوى اللّه عنكم به من فخار لا يبارى وسودد

واستبعد ذلك في الكشف بأن المخاطبين لم يخلقوا من نفس قصي لا كلهم ولا جلهم وإنما هو مجتمع قريش وبأن القول بأن زوجه قرشية خطأ لأنها إنما كانت بنت سيد مكة من خزاعة وقريش إذ ذاك متفرقون ليسوا في مكة، وأيضا من أين العلم أنهما وعدا عند الحمل أن يكونا شاكرين للّه تبارك وتعالى ولا كفران أشد من الكفر الذي كانا فيه.

وما مثل من فسر بذلك إلا كمن عمر قصرا فهدم مصرا، وأما البيت فإنما خص فيه بنو قصي بالذكر لأنهم ألصق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لأنه لما كان سيدهم وأميرهم شمل ذكره الكل شمول فرعون لقومه ومعلوم أن الكل ليسوا من نسل فرعون وأجيب عن قوله: من أين العلم إلخ بأنه من إعلام اللّه تعالى إن كان ذلك هو معنى النظم، ومنه يعلم أن كون زوجته غير قرشية في حيز المنع. نعم في كون قصي هو أحد أجداد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان مشركا مخالفة لما ذهب إليه جمع من أن أجداده عليه الصلاة والسلام كلهم غير مشركين، وقيل: إن ضمير له للولد، والمعنى أنهما طلبا من اللّه تعالى أمثالا للولد الصالح الذي آتاهما، وقيل: هو لإبليس، والمعنى جعلا لابليس شركاء في اسمه حيث سميا ولدهما بعبد الحرث، وكلا القولين ردهما الآمدي في أبكار الأفكار، وهما لعمري أوهن من بيت العنكبوت لكني ذكرتهما استيفاء للأقوال، وذهب جماعة من السلف كابن عباس. ومجاهد. وسعيد بن المسيب وغيرهم إلى أن ضمير جَعَلا يعود لآدم وحواء عليهما السلام، والمراد بالشرك بالنسبة إليهما غير المتبادل بل ما أشرنا إليه آنفا إلى قوله سبحانه وتعالى:

فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تخلص إلى قصة العرب وإشراكهم الأصنام فهو كما قال السدي من الموصول لفظا المفصول معنى، ويوضح ذلك كما قيل تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية ولو كانت القصة واحدة لقيل يشركان، وكذلك الضمائر بعد، وأيد ذلك بما

أخرجه أحمد. والترمذي وحسنه. والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها: سميه عبد الحرث فإنه يعيش فسمته بذلك فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره وأراد بالحرث نفسه فإنه كان يسمي به بين الملائكة»

ولا يعد هذا شركا بالحقيقة على ما قال القطب لأن اسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية لكن أطلق عليه الشرك تغليظا وإيذانا بأن ما عليه أولئك السائلون عما لا يعنيهم أمر عظيم لا يكاد يحيط بفظاعته عبارة.

وفي لباب التأويل أن إضافة عبد إلى الحارث على معنى أنه كان سببا لسلامته وقد يطلق اسم العبد على ما لا يراد به الملوك كقوله:

وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ولعل نسبة الجعل إليهما مع أن الحديث ناطق بأن الجاعل حواء لا هي وآدم لكونه عليه السلام أقرها على ذلك، وجاء في بعض الروايات التصريح بأنهما سمياه بذلك. وتعقب هذا القول بعض المدققين بأن الحديث لا يصلح تأييدا له لأنه لم يرد مفسرا للآية ولا إنكارا لصدور ذلك منهما عليهما السلام فإنه ليس بشرك. نعم كان الأولى بهما التنزه عن ذلك إنما المنكر حمل الآية على ذلك مع ما فيه من العدول عن الظاهر لا سيما على قراءة الأكثرين شُرَكاءَ بلفظ الجمع، ومن حمل فَتَعالَى إلخ على أنه ابتداء كلام وهو راجع إلى المشركين من الكفار، والفاء فصيحة، وكونه منقولا عن السلف معارض بأن غيره منقول أيضا عن جمع منهم انتهى. وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر أنّ الآية نزلت في تسمية آدم وحواء ولديهما بعبد الحرث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيرا للآية، وارتكاب خلاف الظاهر في تفسيرها مما لا مخلص عنه كما لا يخفى على المنصف.

ووجه جمع الشركاء زيادة في التغليظ لأن من جوز الشرك جوز الشركاء فلما جعلا شريكا فكأنهما جعلا شركاء، وحمل فَتَعالَى اللَّهُ إلخ على الابتداء مما يستدعيه السباق والسياق وبه وصرح كثير من أساطين الإسلام والذاهبون إلى غير هذا الوجه نزر قليل بالنسبة إلى الذاهبين إليه وهم دونهم أيضا في العلم والفضل وشتان ما بين دندنة النحل وألحان معبد، ومن هنا قال العلامة الطيبي: إن هذا القول أحسن الأقوال بل لا قول غيره ولا معول إلا عليه لأنه مقتبس من مشكاة النبوة وحضرة الرسالة صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنت قد علمت مني أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي وأراه قد صح ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري في ميدان التأويل كما جرى غيره واللّه تعالى الموفق للصواب وقرأ نافع وأبو بكر «شركا» بصيغة المصدر أي شركة أو ذوي شركة وهم الشركاء أَيُشْرِكُونَ به تعالى ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا أي ما لا يقدر على أن يخلق شيئا من الأشياء أصلا ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده لا محالة وعنى «بما» الأصنام، وإرجاع الضمير إليها مفردا لرعاية لفظها كما أن إرجاع ضمير الجمع إليها من قوله سبحانه وتعالى: وَهُمْ يُخْلَقُونَ لرعاية معناها وإيراد ضمير العقلاء مع أن الأصنام مما لا يعقل إنما هو بحسب اعتقادهم فيها واجرائهم لها مجرى العقلاء وتسميتهم لها آلهة.

والجملة عطف على لا يَخْلُقُ، والجمع بين الأمرين لإبانة كمال منافاة حال ما أشركوه لما اعتقدوا فيه واظهار غاية جهلهم، وعدم التعرض للخالق للإيذان بتعينه والاستغناء عن ذكره تعالى(43).

محاسن التأويل:

قال القاسمي (ت 1332هـ):

وقد ذكر المفسرون هاهنا أحاديث وآثارًا تفهم أن المراد بهذا السياق آدم وحواء، ولا حاجة بنا إلى روايتها؛ لأنها واهية الإسناد معلولة، كما بينه الحافظ ابن كثير في (تفسيره)، وتقبّل ثلة من السلف لها وتلقيها لا يجدي في صحتها شيئًا، إذا أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب، كما برهن عليه ابن كثير، وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذ أخرجها فلان وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني، فإن المشكاة النبوية أجلّ من أن يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته.

إذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء، ثم أورد على نفسه أنهما بريئان من الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي جعل أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو (حواء) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك، فإنه ذهب في غير مذهب.

وقد قرر ما ارتضيناه في معنى الآية غير واحد:

قال الحسن البصري فيما روى عنه ابن جرير: إن الآية عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده.

وفي رواية عنه: كان هذا في بعض الملل، ولم يكن بآدم.

قال ابن كثير: والأسانيد إلى الحسن، في تفسير هذا، صحيحة، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية.

قال: ولو كان الحديث المرفوع، في أنها في آدم وحواء، محفوظًا عنده من رواية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لما عدل عنه هو ولا غيره، لا سيما مع تقواه وورعه، فهذا يدل على أنه -إن صح- موقوف على الصحابي، لا مرفوع.

وقال القفال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانًا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما، لئن آتيتنا ولدًا صالحًا سويًّا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك، فلما آتاهما الله ولدًا صالحًا سويًّا، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب، كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان، كما هو قول عبدة الأصنام.

وقال الناصر في (الانتصاف) -متعقبًا على الزمخشري-: الأسلم والأقرب، والله أعلم، أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معيّن، وكأن المعنى-والله أعلم- خلقكم جنسًا واحدًا، وجعل أزواجكم منكم أيضًا، لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الآخر، الذي هو الأنثى، جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس، وإن كان فيهم الموحدون، على حد (بنو فلان قتلوا قتيلًا) يعني من نسبة ما صدر من البعض إلى الكل.

فائدة:

قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآية أنه تعالى لما قال (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ) جعل حال الإثقال يخالف ما قبله، وأنه يختص فيه الدعاء لأجل أنه حال الخوف.

وقد ذهب الهادي إلى أن الحامل إذا أتى عليها من الحمل ستة أشهر، كانت تصرفاتها كتصرفات المريض، تنفذ من الثلث. وهو قول مالك والليث، واحتجا بالآية؛ لأنه تعالى فرق بين حال الخفة والإثقال، وقال غيرهما: تصرفها من الجميع، ما لم يأخذها الطلق، قلنا: إنه يجوز عليها بعد الستة، وضع الحمل في كل وقت.

ثم قال: ودلت الآية على أنه يجوز الدعاء لطلب أمور الدنيا، وإن حصول الولد منة يجب الشكر عليها(44).

لباب التأويل في معاني التنزيل:

قال الخازن (ت 1341هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال ابن عباس: أشركاه في طاعته في غير عبادة ولم يشركا باللّه ولكن أطاعاه. وقال قتادة: أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة. وقال عكرمة ما أشرك آدم ولا حواء وكان لا يعيش لهما ولد فأتاهما الشيطان فقال إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث فهو قوله تعالى جعلا له شركاء فيما آتاهما قرئ شركا بكسر الشين مع التنوين ومعناه شركة وقال أبو عبيدة معناه حظا ونصيبا وقرئ شركاء بضم الشين مع المد جمع شريك يعني إبليس عبر عن الواحد بلفظ الجمع يعني جعلا له شريكا إذ سميا ولدهما عبد الحارث. قال العلماء: ولم يكن ذلك شركا في العبادة ولا أن الحارث رب لهما لأن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيا معصوما من الشرك ولكن قصد بتسميتهما الولد بعبد الحارث أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامته وسلامة أمه وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك كما قال الشاعر: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا

أخبر عن نفسه أنه عبد الضيف ما أقام عنده مع بقاء الحرية عليه وإنما أراد بالعبودية خدمة الضيف والقيام بواجب حقوقه كما يقوم العبد بواجب حقوق سيده. وقد يطلق اسم الرب بغير الألف واللام على غير اللّه كقول يوسف عليه الصلاة والسلام لعزيز مصر «إنه ربي أحسن مثواي» أراد به التربية ولم يرد به أنه ربه ومعبوده فكذلك هنا وإنما أخبر عن آدم عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولأن منصب النبوة أشرف المناصب وأعلاها فعاتبه اللّه على ذلك لأنه نظر إلى السبب ولم ينظر إلى المسبب واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه.

قال العلماء: وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله فيما آتاهما ثم ابتدأ في الخبر عن الكفار بقوله تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ نزه نفسه سبحانه وتعالى عن إشراك المشركين من أهل مكة وغيرهم وهذا على العموم، ولو أراد آدم وحواء لقال سبحانه وتعالى فتعالى اللّه عما يشركان على التثنية لا على الجمع وقال بعض أهل المعاني: ولو أراد به ما سبق في معنى الآية فمستقيم أيضا من حيث إنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في التسمية فكان الأولى أن يسمياه عبد اللّه لا عبد الحارث وفي معنى الآية قول آخر وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم وهو قول الحسن وعكرمة ومعناه وجعل أولادهما له شركاء فحذف ذكر الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء بقوله: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فعير به اليهود الذين كانوا موجودين في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان ذلك من فعل آبائهم وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها أي وجعل من جنسها زوجها آدمية مثله وهذا قول حسن إلا أن القول وورد الحديث بذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقيل هم اليهود والنصارى رزقهم اللّه أولادا فهوّدوهم ونصّروهم وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى وعبد شمس وعبد الدار ونحو ذلك(45).

تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار):

قال محمد رشيد رضا (ت 1354هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

المعنى: فلما أعطاهما ولدًا صالحًا لا نقص في خلقه، ولا فساد في تركيبه، جعلا له شركاء في إعطائه أو فيما أعطاه بأن كان سببًا لوقوع الشرك منهما، أو ظهور ما هو راسخ في أنفسهما منه، وسنبين معناه، وقرأ نافع وأبو بكر (جعلا له شركًا) أي: شركة أو ذوي شرك، فالمعنى واحد.

(فتعالى الله عما يشركون) أي: تعالى شأنه عن شركهم؛ فإنه هو معطي النسل بما خلقه لكل من الزوجين من أعضاء، وقدر لهما في العلوق والوضع من أسباب، لا فعل لغيره في ذلك ألبتة، وجمع الضمير هنا بعد تثنيته الأفعال قبله؛ لأن المراد فيه بالزوجين الجنس لا فردين معينين.

وقال الزمخشري: إن الضمير في (آتيتنا) و (لنكونن) لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما. والآية على كل من القولين بيان لحال البشر فيما طرأ عليهم من نزغات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله، والجنس يصدق ببعض أنواعه وببعض أفراده.

فمثال الشرك الخفي في إنعام الله عليهم بالنسل، ما يسندونه إلى الأسباب في سلامة الحامل من الأمراض في أثناء الحمل أو في حالة الوضع، وفي سلامة الطفل عند الوضع وعقبه، وفيما بعد ذلك من الموت أو التشويه أو الأمراض، كقولهم: لولا أن فعلنا كذا لكان كذا، ولولا فلان أو فلانة من طبيب أو مرشد أو قابلة لهلك الولد أو لأجهضت أمه إجهاضًا أو جاءت بسقط لم يستهل، أو لمات عقب إسقاطه لعدم استعداده للحياة، وينسون في هذه الأحوال فضل الله تعالى عليهم بما منَّ به من العافية والتوفيق وتسخير الأسباب من البشر وغيرهم، وإن كانوا ممن يذكرونها ولا ينكرونها إذا ذكروا بها - ذلك شأن كثير من الناس في كل نعمة تمسهم، أو نقمة يدفعها الله تعالى عنهم، وهذا الشرك ليس خروجًا من الملة، ولكنه نقص في شكر المُنعم، ويحتمل أن يكون المراد بالشرك هنا ترجيح حب الأولاد على حب الله تعالى، وشغلهم للوالدين عن ذكره وشكره، وإيثارهم لهم على طاعته والتزام ما شرعه من أحكام الحلال والحرام، وهو كسابقه نقص في التوحيد لا نقض له، وغفلة عنه لا جحد به.

ومثال الشرك الجلي: إسناد هذه النعم إلى غيره تعالى ممن يدعونهم من دونه أو معه من الأولياء والقديسين، أو الأنبياء والمرسلين، أو ما يذكر بهم أو بمثلهم من القبور أو الأصنام والتماثيل، يقولون: لولا سيدي فلان ولولا مولانا علان لما كان كذا مما نحب، أو لكان كذا وكذا مما نكره، يعتقدون أن لهم فيما كان من نفع ومنع ضررٍ تأثيرًا غيبيًا يستقلون به، هو فوق تأثير الأسباب المذكورة عن القسم الأول كما تقدم شرحه مرارًا، أقر بها ما في تفسير الآية السابقة.

(فتعالى الله عما يشركون) أي: وارتفع مجده، وتعالى جده، تنزها عن شرك هؤلاء الأغبياء أو عن شركائهم أن يكون لهم تصرف في خلقه، أو تأثير في صفاته وأفعاله.

كنت قرأت منذ سنين جل ما قال المفسرون في تفسير هذه الآيات من كتبهم التي بين أيدينا من مأثور وغيره، وما أوردوه فيها من الإشكال، وما لهم من الجواب عنه والتفصي منه من أقوال، ولما أردت كتابة تفسيرها الآن لم أجد مما في ذهني منه شيئًا مرضيًا يطمئن به قلبي، فتوجهت إلى الله تعالى، وفكرت في معناها الذي يعطيه الأسلوب العربي، وينطبق على سنة الله في البشر، وفي بيان كتابه لحقائق أحوالهم، فكرت في ذلك قبل النوم وأنا في فراشي، ثم كتبت ما تقدم في آخر النهار، ثم بحثت فيما عندي من كتب التفسير؛ لأكتب خلاصة ما قيل فيها، وأنظر فيما عساه يؤيده، وأجيب عما ربما يفنده، فإذا أنا بصاحب الانتصاف يقول بعد ذكر ما نقلناه آنفا من كلمة الزمخشري في ضميري الجمع ما نصه: وأسلم من هذين التفسيرين أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى والله أعلم: خلقكم جنسًا واحدًا وجعل أزواجكم منكم أيضًا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الآخر وإن كان فيهم الموحدون؛ لأن المشركين منهم كقوله تعالى: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيًا) (قتل الإنسان ما أكفره) (إن الإنسان لفي خسر).

وأما الإشكال الذي أشرنا إليه، فهو ما روي عن بعض الصحابة والتابعين، وفي حديث مرفوع أيضًا من أن الآية في آدم وحواء، فقد أخرج أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وغيرهم من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وهو على كثرة مخرجيه غريب وضعيف كما سيأتي، وقد جاءت الآثار في هذا المعنى مفصلة ومطولة وفيها زيادات خرافية، تشهد عليها بأنها من الدسائس الإسرائيلية، وهذه الآثار يعدها بعض العلماء من قبيل الأحاديث المرفوعة؛ لأنها لا تقال بالرأي، والذي نعتقده وجرينا عليه في التفسير أن كل ما هو منها مظنة للإسرائيليات المتلقاة عن مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه فهي لا يوثق بها، فإن كانت مع ذلك مشتملة على ما ينكره الدين أو العلم الصحيح قطعنًا ببطلانها وكونها دسيسة إسرائيلية، ومنها ما نحن فيه؛ لأن فيه طعنًا صريحًا في آدم وحواء عليهما السلام ورميًا لهما بالشرك، ولذلك رفضها بعض المفسرين، وتكلف آخرون في تأويلها بما تنكره اللغة. وقد اعتمد بعض المتأخرين كصاحب فتح البيان، وصاحب روح المعاني الأخذ بحديث سمرة دون آثار الصحابة والتابعين، التي فيها ما ليس فيه من رمي آدم بالشرك الصريح، وظنا أنه حجة، ووصفاه تبعًا للترمذي والحاكم بالحسن والصحيح، وما هو بحسن ولا صحيح، على أنه لم يرد تفسيرًا للآية كتلك الآثار.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الخطاب في الآية لقريش، وأن المراد فيها بالنفس الواحدة قصي جدهم، وأن المراد بجعل زوجها منها أنها قرشية أو عربية لما روي أنها من خزاعة لا من قريش، وأن المراد بشركهما تسمية أبنائهما الأربعة عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار -يعني دار الندوة- وفيه نظر من وجوه ذكرها بعض المفسرين لا نضيع الوقت بذكرها، وإنما الذي يصح أن يذكر ويبين بطلانه، فهو الروايات التي انخدع بها ولا يزال ينخدع بها الكثيرون، وعمدتنا في تمحيصها وبيان عللها الحافظ ابن كثير فقد قال في تفسيره ما نصه: ذكر المفسرون هاهنا آثارًا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة: قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره" وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار عن بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعا ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعا، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا. (قلت) وشاذ هو هلال وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه: (أحدها) أن عمر بن إبراهيم هذا هو المصري وقد وثقه بن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعًا فالله أعلم. (الثاني) أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعًا كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه حدثنا بكر بن عبد الله عن سليمان التيمي عن عبد الأعلى بن الشخير عن سمرة بن جندب قال: "سمى آدم ابنه عبد الحارث". (الثالث) أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه. قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو وعن الحسن (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: "كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم"، وحدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال: قال الحسن: "عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعد". يعني: جعلا له شركاء فيما آتاهما، وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: "هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا". وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن -رضي الله عنه- أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما عدل عنه هو ولا غيره، لا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما كما سيأتي بيانه إن شاء الله، ألا أننا برئنا من عهدة المرفوع والله أعلم.

فأما الآثار: فقال محمد بن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولادًا فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال: فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى: قوله جعلا له شركاء فيما آتاهما إلى آخر الآية". وقال العوفي عن ابن عباس "قوله في آدم هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله: فمرت به شكت أحملت أم لا؟ فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟، أم هل تدريان ما يكون؟، أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويا ومات كما مات الأول فسميا ولدهما عبد الحارث" فذلك قول الله: فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما الآية. وقال عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "في قوله: فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما قال: قال الله تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها (آدم) حملت فأتاهما إبليس لعنه الله فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن -يخوفهما- فسمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت الثانية فأتاهما أيضًا فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت، لتفعلن أو لأفعلن -يخوفهما- فأبيا أن يطيعًا فخرج ميتًا، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضًا فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: جعلا له شركاء فيما آتاهما" رواه ابن أبي حاتم.

وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف ومن المفسرين المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أُبي بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: "لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبهما فأطاعا".

وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ثم أخبارهم على ثلاثة، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا، ومنه ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث؟ فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري -رحمه الله- في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله: فتعالى الله عما يشركون ثم قال: فذِكره آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح... الآية)، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسه، ولهذا نظائر في القرآن والله أعلم.

سياق ابن كثير. وقد أصاب كنه الحقيقة في قوله: إن هذه الآثار مأخوذة من الإسرائيليات، ولما كانت طعنًا في عقيدة أبوينا آدم وحواء عليهما السلام بما تبطله عقائد الإسلام، وجب الجزم ببطلانها وتكذيبهم فيها(46).

تفسير ابن أبى زمنين (وهو مختصر تفسير يحيى بن سلام):

قال ابن أبي زمنين المري (ت 1354هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قوله: (دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا) أي: إنسانًا لنكونن من الشاكرين كان هذا دعاءهما قبل أن تلد، فلما ولدت أتاهما إبليس فقال: ألا تسمينه بي كما وعدتني، قالت: وما اسمك قال: عبد الحارث، فسمته عبد الحارث، فمات، قال الله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال قتادة: فكان شركًا في طاعتهما لإبليس في تسميتهما إياه عبد الحارث، ولم يكن شركا في عبادة(47).

التفسير المظهري:

قال محمد ثناء الله العثماني المظهري (ت 1367 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني: آدم عليه السلام وَجَعَلَ مِنْها أي: من جسدها من ضلع من أضلاعها زَوْجَها حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها أي: ليانس بها ويطمئن إليها ذكر للضمير ذهابا إلى المعنى ليناسب قوله فَلَمَّا تَغَشَّاها أي: جامعها حَمَلَتْ حواء حَمْلًا خَفِيفًا خف عليها ولم تلق منه ما تلقى الحوامل غالبا من الأذى أو محمولا خفيفا وهو النطفة فَمَرَّتْ بِهِ أي: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا ازلاق أو فاستمرت به وقامت وقعدت ولم يثقلها فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي: صارت ذات ثقل إذ اكبر الولد في بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما أي دعا آدم وحواء لَئِنْ آتَيْتَنا يا ربنا صالِحًا سويّا قد صلح بدنه مثلنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لك على هذه النعمة المجددة قال البغوي قال المفسرون لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل وقال لها ما الذي في بطنك قالت ما أدرى قال أخاف ان يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا وما يدريك من اين يخرج من دبرك فيقتلك أو من فيك أو ينشق بطنك فخافت حواء من ذلك وذكرت ذلك لادم عليه السلام فلم يزالا في هم من ذلك ثم عاد إليها فقال انى من اللّه بمنزلة فان دعوت اللّه ان يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه أتسميه عبد الحارث وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذكرت لادم عليه السلام فقال لعله صاحبنا الذي قد علمت فعاودها إبليس فلم يزل بهما إبليس حتى غرهما فلما ولدت سمياه عبد الحارث قال الكلبي قال لها ان دعوت اللّه فولدت إنسانا أتسميه بي قالت نعم فلما ولدت قال سميه بي قالت وما اسمك قال الحارث ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث وروى عن ابن عباس قال كانت حواء تلد وآدم يسميه عبد اللّه وعبيد اللّه وعبد الرحمن فيصيبهم الموت فسمياه عبد الحارث فعاش وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وقال غريب والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فانه يعيش فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وامره قال البغوي جاء في الحديث انه خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض وقال ابن زيد ولد لادم فسماه عبد اللّه فاتها إبليس فقال ما سميتهما ابنكما قالا عبد اللّه وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد اللّه فمات فقال إبليس أتظنان ان اللّه تارك عبده عندكما واللّه ليذهبن به كما ذهب بالاخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد الشمس قال البغوي والاول أصح.

(فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا بشرا سويا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) قرأ أبو بكر شركاء بكسر الشين والتنوين أي شركة قال أبو عبيدة يعنى حظا ونصيبا وقرأ الآخرون بضم الشين وفتح الراء والمد والهمز جمع شريك قال البغوي أخبر عن الواحد بلفظ الجمع أي جعلا له شريكا إذ سمياه عبد الحارث وقال لم يكن هذا إشراكًا في العبادة ولا في اعتقاد ان الحارث ربهما فان آدم كان نبيا معصوما من الشرك ولكن قصد ان الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة امه وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به انه مملوك كما يطلق اسم الرب على من لا يراد به انه معبود وهذا كالرجل إذا نزل به ضيف يسمى نفسه عبد الضيف على وجه الخضوع لا على ان الضيف ربه ويقول للغير انا عبدك وقال يوسف لعزيز مصر أنه ربى أحسن مثواي ولم يرد به انه معبوده كذلك هذا وقال الحسن وعكرمة معنى قوله تعالى جعلا له شركاء انه جعل أولادهما يعنى كفار مكة وغيرهم له تعالى شركاء فيما اتى أولادهما على حذف المضاف في الموضعين واقامة المضاف إليه مقامه نظيره قوله تعالى ثم اتخذتم العجل وإذ قتلتم نفسا خطابا للذين كانوا في عهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من اليهود وكان ذلك من فعل ابائهم والمعنى ثم اتخذ آباؤكم العجل وإذ قتل اسلافكم نفسا ويؤيد هذا القول إيراد شركاء بصيغة الجمع وقوله تعالى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعنى الأصنام وكذا ما بعدها من الآيات وقال البغوي قيل هذا ابتداء كلام وأراد به اشراك أهل مكة ولئن أراد ما سبق فمستقيم من حيث انه كان الاولى بهما أن لا يفعلا ما فعلا من الإشراك في الاسم وقال السيوطي هذا معطوف على خلقكم وما بينهما اعتراض وقال البغوي وقيل هم اليهود والنصارى رزقهم اللّه أولادا فهودوهم ونصروهم وقال ابن كيسان هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد المناف وعبد الشمس وقال عكرمة خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم من نفس واحدة أي من أبيه وجعل منها أي من جنسها زوجها قال البغوي وهذا قول الحسن والاول قول السلف ابن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة من المفسرين انه آدم وحواء قلت ذكر اللّه سبحانه من آدم قصة أكل الشجرة بعد ما نهى عنه واشنع عليه في القرآن في عدة مواضع حيث قال وعصى آدم ربه فغوى وذكر انه ندم على ذلك كثيرا حيث قال ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين فتاب اللّه سبحانه عليه وقال ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ومع ذلك ندم آدم على تلك الزلة ابدا حتّى انه ورد في الصحيحين في حديث طويل عن أنس ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال يحبس المؤمنون يوم القيامة حتّى يهموا بذلك فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو الناس خلقك اللّه بيده وأسكنك جنته واسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك فيريحنا من مكاننا هذا فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهى عنها ولم يذكر هذا الخطيئة من آدم عليه السلام ولو كانت تلك الخطيئة من آدم عليه السلام لكانت اغلظ من الأولى في هذا المقام تأويل النصوص على ما قال الحسن وعكرمة(48).

تفسير المراغي:

قال الإمام المراغي (ت 1371هـ):

(فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) أي: فلما أعطاهما ما طلبا وجاء الولد بشرًا سويًا لا نقص فيه ولا فساد في تركيب جسمه جعلا له شركاء فيما أعطاه. أي: أظهرا ما كان راسخًا في أنفسهما منه.

وقد نسب هذا الجعل إلى آدم وحواء والمراد أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهوّدوا ونصرّوا.

وقال الحافظ ابن كثير: أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا، وأنه ليس المراد من السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك ذريته، ولهذا قال «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ».

ثم قال فذكره آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس. ا.هـ.

وقال صاحب الانتصاف: إن المراد جنس الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى والله أعلم: خلقكم جنسًا واحدًا وجعل أزواجكم منكم أيضًا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون، لأن المشركين منهم كقوله: (وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) وقوله: (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) وقوله: (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ). ا.هـ.

وقال صاحب الكشاف: إن المراد بالزوجين الجنس لا فردان معينان، والغرض بيان حال البشر فيما طرأ عليهم من نزعات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله والجنس يصدق ببعض أفراده. ا.هـ.

وبهذا تعلم أن ما روي عن بعض الصحابة والتابعين من أن الآية في آدم وحواء وما روي في حديث سمرة بن جندب مرفوعًا قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان).

ونحوه آثار كثيرة في هذا المعنى مفصلة ومطولة -فهو خرافة من دس الإسرائيليين، نقلت عن مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه فلا يوثق بها، لأن فيها طعنًا صريحًا في آدم وحواء عليهما السلام ورميا لهما بالشرك، ومن ثم رفضها كثير من المفسرين، وقال الحافظ ابن كثير وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وقد صح

الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم).

وأخبار أهل الكتاب ثلاثة أقسام:

فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.

ومنها ما علمنا كذبه بما دل الدليل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا.

ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام (حدّثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج)،

وهو لا يصدّق ولا يكذّب لقوله: (فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم).

ثم بين سبحانه فساد رأيهم وسخافة عقولهم لهذا الشرك فقال:

(أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) أي: أيشركون به سبحانه وهو الخالق لهم ولأولادهم ولكل مخلوق ما لا يخلق شيئًا وإن كان حقيرًا كما قال: (إنّ الّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له) بل هم مخلوقون أيضًا ولا يليق بذي العقل السليم أن يجعل المخلوق العاجز شريكًا للخالق القادر.

والآية وما بعدها حكاية لشرك عبّاد الأصنام عامة، وينتظم فيهم مشركو مكة وأمثالهم ممن نزل القرآن في عهدهم، وتوبيخ لهم بتفصيل أحوال أولئك الشركاء التي تنافى ما اعتقدوه.

(وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) أي: ولا يستطيعون لعابديهم معونة إذا حزبهم أمر مهمّ وخطب ملمّ كما لا يستطيعون لأنفسهم نصرًا على من يعتدى عليهم بإهانة لهم أو أخذ شيء مما عندهم من طيب أو حلي، كما قال تعالى: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).

والخلاصة: إنهم يحتاجون إليكم في تكريمهم وفى النضال عنهم وأنتم لا تحتاجون إليهم.

(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ) أي وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به رغباتكم أو تنجون به من المكاره التي تحيق بكم، لا يتبعوكم فلا يستجيبوا لكم ولا ينفعوكم(49).

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:

قال السعدي (ت 1376هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} على وفق ما طلبا، وتمت عليهما النعمة فيه {جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به، وأقرَّ به أعين والديه، فَعَبَّدَاه لغير الله. إما أن يسمياه بعبد غير الله كـ "عبد الحارث" و "عبد العزيز" و "عبد الكعبة" ونحو ذلك، أو يشركا بالله في العبادة، بعدما منَّ الله عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد.

وهذا انتقال من النوع إلى الجنس، فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس، ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرًا، فلذلك قررهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال، فإن الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجًا، ثم جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض، ويألفه ويلتذ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل.

ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتا موقوتا، تتشوف إليه نفوسهم، ويدعون الله أن يخرجه سويًا صحيحًا، فأتم الله عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم.

أفلا يستحق أن يعبدوه، ولا يشركوا به في عبادته أحدًا، ويخلصوا له الدين.

ولكن الأمر جاء على العكس، فأشركوا بالله من لا {يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}.

{وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ} أي: لعابديها {نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}.

فإذا كانت لا تخلق شيئًا، ولا مثقال ذرة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبدها، بل ولا عن أنفسها، فكيف تتخذ مع الله آلهة؟ إن هذا إلا أظلم الظلم، وأسفه السفه(50).

توفيق الرحمن في دروس القرآن:

قال فيصل بن عبد العزيز النجدي (ت 1376هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

عن قتادة: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} استبان حملها. وقال السدي: {فَلَمَّا أَثْقَلَت} كبر الولد في بطنها، {دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، قال ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة.

وقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها قال: فجاءها إبليس فقال: ما هذا أترين في الأرض إلا: ناقة، أو بقرة، أو ضائنة، أو ماعزة، أو بعض ذلك؟ قالت: والله ما من شيء إلا وهو يضيق عن ذلك، قال: فأطيعيني وسمّيه عبد الحارث تلدي شبهكما مثلكما، قالت: لآدم عليه السلام فقال: هو صاحبنا الذي قد أخرجنا من الجنة، فمات ثم حملت بآخر فجاءها فقال: أطيعيني وسمّيه عبد الحارث، وكان اسمه في الملائكة (الحارث)، وإلا ولدت ناقة، أو بقرة، أو ضائنة، أو ماعزة، أو قتلته، فإني أنا قتلت الأول، قال: فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمته عبد الحارث، فذلك قوله: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا}، يقول: شبهنا مثلنا {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا}، قال: شبههما مثلهما، {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا}.

قال ابن عباس: أشركاه في طاعته في غير عبادة، ولم يشركا بالله ولكن أطاعاه. وقال قتادة: أشركا في الاسم، ولم يشركا في العبادة. وقال الحسن: عني بهذا ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده، يعني بقوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا}. وعن السدي: قوله:... {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب(51).

في ظلال القرآن:

قال سيد قطب (ت 1385 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

إن بعض الروايات في التفسير تذكر هذه القصة على أنها قصة حقيقية وقعت لآدم وحواء.. إذ كان أبناؤهما يولدون مشوهين. فجاء إليهما الشيطان فأغرى حواء أن تسمي ما في بطنها عبد الحارث، والحارث اسم لإبليس. ليولد صحيحًا ويعيش، ففعلت وأغرت آدم معها! وظاهر ما في هذه الرواية من طابع إسرائيلي.

ذلك أن التصور الإسرائيلي المسيحي -كما حرفوا ديانتهم- هو الذي يلقي عبء الغواية على حواء، وهو مخالف تمامًا للتصور الإسلامي الصحيح.

ولا حاجة بنا إلى هذه الإسرائيليات لتفسير هذا النص القرآني. فهو يصور مدارج الانحراف في النفس البشرية. ولقد كان المشركون على عهد رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- وقبله، ينذرون بعض أبنائهم للآلهة، أو لخدمة معابد الآلهة! تقربًا وزلفى إلى اللّه! ومع توجههم في أول الأمر لله، فإنهم بعد دحرجة من قمة التوحيد إلى درك الوثنية كانوا ينذرون لهذه الآلهة أبناءهم لتعيش وتصح وتوقى المخاطر! كما يجعل الناس اليوم نصيبًا في أبدان أبنائهم للأولياء والقديسين. كأن يستبقوا شعر الغلام لا يحلق أول مرة إلا على ضريح ولي أو قديس. أو أن يستبقوه بلا ختان حتى يختن هناك. مع أن هؤلاء الناس اليوم يعترفون باللّه الواحد. ثم يتبعون هذا الاعتراف بهذه الاتجاهات المشركة. والناس هم الناس! «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ!».

وتنزه عن الشرك الذي يعتقدون ويزاولون! على أننا نرى في زماننا هذا صنوفًا وألوانًا من الشرك ممن يزعمون أنهم يوحدون الله ويسلمون له، ترسم لنا صورة من مدارج الشرك التي ترسمها هذه النصوص.

إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة يسمونها «القوم» ويسمونها «الوطن»، ويسمونها «الشعب».. إلى آخر ما يسمون. وهي لا تعدو أن تكون أصنامًا غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون. ولا تعدو أن تكون آلهة تشارك اللّه -سبحانه- في خلقه، وينذر لها الأبناء كما كانوا ينذرون للآلهة القديمة! ويضحون لها كالذبائح التي كانت تقدم في المعابد على نطاق واسع! إن الناس يعترفون بالله ربًا. ولكنهم ينبذون أوامره وشرائعه من ورائهم ظهريًا، بينما يجعلون أوامر هذه الآلهة ومطالبها «مقدسة». تخالف في سبيلها أوامر اللّه وشرائعه، بل تنبذ نبذًا. فكيف تكون الآلهة؟ وكيف يكون الشرك؟ وكيف يكون نصيب الشركاء في الأبناء. إن لم يكن هو هذا الذي تزاوله الجاهلية الحديثة!! ولقد كانت الجاهلية القديمة أكثر أدبًا مع الله. لقد كانت تتخذ من دونه آلهة تقدم لها هذه التقدمات من الشرك في الأبناء والثمار والذبائح لتقرب الناس من الله زلفى! فكان اللّه في حسها هو الأعلى. فأما الجاهلية الحديثة فهي تجعل الآلهة الأخرى أعلى من اللّه عندها. فتقدس ما تأمر به هذه الآلهة وتنبذ ما يأمر به اللّه نبذًا! إننا نخدع أنفسنًا حين نقف بالوثنية عند الشكل الساذج للأصنام والآلهة القديمة، والشعائر التي كان الناس يزاولونها في عبادتها واتخاذها شفعاء عند اللّه.. إن شكل الأصنام والوثنية فقط هو الذي تغير. كما أن الشعائر هي التي تعقدت، واتخذت لها عنوانات جديدة.. أما طبيعة الشرك وحقيقته فهي القائمة من وراء الأشكال والشعائر المتغيرة.

وهذا ما ينبغي ألا يخدعنا عن الحقيقة! إن اللّه -سبحانه- يأمر بالعفة والحشمة والفضيلة. ولكن «الوطن» أو «الإنتاج» يأمر بأن تخرج المرأة وتتبرج وتغري وتعمل مضيفة في الفنادق في صورة فتيات الجيشا في اليابان الوثنية! فمن الإله الذي تتبع أوامره؟ أهو اللّه سبحانه؟ أم إنها الآلهة المدعاة؟

إن اللّه -سبحانه- يأمر أن تكون رابطة التجمع هي العقيدة. ولكن «القومية» أو «الوطن» يأمر باستبعاد العقيدة من قاعدة التجمع، وأن يكون الجنس أو القوم هو القاعدة! فمن هو الإله الذي تتبع أوامره؟ أهو الله -سبحانه- أم هي الآلهة المدعاة؟! إن اللّه -سبحانه- يأمر أن تكون شريعته هي الحاكمة. ولكن عبدًا من العبيد -أو مجموعة من «الشعب»- تقول: كلا! إن العبيد هم الذين يشرعون وشريعتهم هي الحاكمة. فمن هو الإله الذي تتبع أوامره؟ أهو الله سبحانه أم هي الآلهة المدعاة؟! إنها أمثلة لما يجري في الأرض كلها اليوم ولما تتعارف عليه البشرية الضالة. أمثلة تكشف عن حقيقة الوثنية السائدة، وحقيقة الأصنام المعبودة، المقامة اليوم بديلًا من تلك الوثنية الصريحة، ومن تلك الأصنام المنظورة! ويجب ألا تخدعنا الأشكال المتغيرة للوثنية والشرك عن حقيقتها الثابتة!

ولقد كان القرآن يحاور أصحاب تلك الوثنية الساذجة وتلك الجاهلية الصريحة ويخاطب عقولهم البشرية لإيقاظها من تلك الغفلة التي لا تليق بالعقل البشري -أيًّا كانت طفولته- فيعقب على ذلك المثل الذي ضربه لهم، وصور فيه مدارج الشرك في النفس:

(أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ؟ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).

إن الذي يخلق هو الذي يستحق أن يعبد! وآلهتهم المدعاة -كلها- لا تخلق شيئًا بل هي تخلق! فكيف يشركون بها؟ كيف يجعلون لها شركًا مع اللّه في نفوسهم وفي أولادهم؟

وإن الذي يملك أن ينصر عباده بقوته ويحميهم هو الذي ينبغي أن يعبد. فالقوة والقهر والسلطان هي خصائص الألوهية وموجبات العبادة والعبودية. وآلهتهم المدعاة -كلها- لا قوة لها ولا سلطان فهم لا يستطيعون نصرهم، ولا نصر أنفسهم! فكيف يجعلون لها شركًا مع اللّه في نفوسهم وفي أولادهم؟

ومع أن برهان الخلق والقدرة هذا كان يوجه إلى أصحاب تلك الجاهلية الساذجة، فهو ما يزال هو الذي يحاج به أصحاب الجاهلية الحاضرة! إنهم يقيمون لهم أصنامًا أخرى يعبدونها ويتبعون ما تأمر به ويجعلون لها شركًا في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم. فمن منها يخلق من السماوات والأرض شيئًا؟ ومن منها يملك لهم أو لنفسه نصرًا؟

إن العقل البشري - لو خلي بينه وبين هذا الواقع - لا يقره، ولا يرضاه! ولكنها الشهوات والأهواء والتضليل والخداع. هي التي تجعل البشرية بعد أربعة عشر قرنًا من نزول هذا القرآن ترتد إلى هذه الجاهلية -في صورتها الجديدة- فتشرك ما لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصرًا ولا أنفسهم ينصرون! إن هذه البشرية لفي حاجة اليوم -كما كانت في حاجة بالأمس- إلى أن تخاطب بهذا القرآن مرة أخرى.

في حاجة إلى من يقودها من الجاهلية إلى الإسلام ومن يخرجها من الظلمات إلى النور ومن ينقذ عقولها وقلوبها من هذه الوثنية الجديدة بل من هذا السخف الجديد الذي تلج فيه كما أنقذها هذا الدين أول مرة! إن صيغة التعبير القرآنية توحي بأنه كان يعني كذلك تقريعهم على اتخاذ آلهة من البشر:

(أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ؟ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).

فهذه الواو والنون تشير إلى أن من بين هذه الآلهة على الأقل بشرا من «العقلاء» الذين يعبر عنهم بضمير «العاقل»! وما علمنا أن العرب في وثنيتهم كانوا يشركون بآلهة من البشر - بمعنى أنهم يعتقدون بألوهيتهم أو يقدمون الشعائر التعبدية لهم - إنما هم كانوا يشركون بأمثال هؤلاء من ناحية أنهم يتلقون منهم الشرائع الاجتماعية والأحكام في النزاعات - أي الحاكمية الأرضية - وأن القرآن يعبر عن هذا بالشرك، ويسوي بينه وبين شركهم الآخر بالأوثان والأصنام سواء. وهذا هو الاعتبار الإسلامي لهذا اللون من الشرك. فهو شرك كشرك الاعتقاد والشعائر لا فرق بينه وبينه، كما اعتبر الذين يتقبلون الشرائع والأحكام من الأحبار والرهبان مشركين. مع أنهم لم يكونوا يعتقدون بألوهيتهم ولم يكونوا يقدمون لهم الشعائر كذلك. فكله شرك وخروج عن التوحيد الذي يقوم عليه دين اللّه والذي تعبر عنه شهادة أن لا إله إلا الله. مما يتفق تمامًا مع ما قررناه من شرك الجاهلية الحديثة!

ولما كان الحديث عن قصة الانحراف في النفس -ذلك المتمثل في قصة الزوجين- هو حديث كل شرك! والمقصود به هو تنبيه أولئك الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، إلى سخف ما هم عليه من الشرك، واتخاذ تلك الآلهة التي لا تخلق شيئًا بل هي تخلق، ولا تنصر عبادها بل لا تملك لأنفسها نصرًا، سواء أكانت من البشر أم من غيرهم، فهي كلها لا تخلق ولا تنصر -لما كان هذا هو اتجاه السياق القرآني، فإنه ينتقل من القصة ومن أسلوب الحكاية في الفقرة السابقة، إلى مواجهة مشركي العرب وإلى أسلوب الخطاب انتقالًا مباشرًا، كأنه امتداد للحديث السابق عليه عن تلك الآلهة! (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ، سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ. فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها؟).

لقد كانت وثنية مشركي العرب وثنية ساذجة -كما أسلفنا- سخيفة في ميزان العقل البشري في أية مرحلة من مراحله! ومن ثم كان القرآن ينبه فيهم هذا العقل وهو يواجههم بسخافة ما يزاولونه من الشرك بمثل هذه الآلهة.

إن أصنامهم هذه الساذجة بهيئتها الظاهرة: ليس لها أرجل تمشي بها، وليس لها أيد تبطش بها. وليس لها أعين تبصر بها، وليس لها آذان تسمع بها. هذه الجوارح التي تتوافر لهم هم. فكيف يعبدون ما هو دونهم من هذه الأحجار الهامدة؟

فأما ما يرمزون إليه بهذه الأصنام من الملائكة حينًا، ومن الآباء والأجداد حينًا. فهم عباد أمثالهم من خلق اللّه مثلهم. لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصرًا ولا أنفسهم ينصرون! والازدواج في عقائد مشركي العرب بين الأصنام الظاهرة، والرموز الباطنة هو -فيما نحسب- سبب مخاطبتهم هكذا عن هذه الآلهة: مرة بضمير العاقل ملحوظا فيها ما وراء الأصنام من الرمز، ومرة بالإشارة المباشرة إلى الأصنام ذاتها، وأنها فاقدة للحياة والحركة! وهي في مجموعها ظاهرة البطلان في منطق العقل البشري ذاته، الذي يوقظه القرآن، ويرفعه عن هذه الغفلة المزرية! وفي نهاية هذه المحاجة يوجه اللّه سبحانه رسوله -صلى اللّه عليه وسلم-: أن يتحداهم ويتحدى آلهتهم العاجزة -كلها- وأن يعلن عن عقيدته الناصعة في تولي الله -وحده- له:

(قُلِ: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا، وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ).

إنها كلمة صاحب الدعوة، في وجه الجاهلية. ولقد قالها رسول الله -صلى اللّه عليه وسلم- كما أمره ربه وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة: (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ).

لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي. وقال لهم: ألا يألوا جهدًا في جمع كيدهم وكيد آلهتهم بلا إمهال ولا إنظار! وقالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه. ويحتمي به من كيدهم جميعًا(52).

التفسير القرآني للقرآن:

قال عبد الكريم يونس الخطيب (ت 1390هـ):

(فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وفى هذا إشارة إلى ما يقع بين المشركين بالله، الذين لا يقدرون الله حق قدره، فيضيفون أولادهم إلى غير الله، ويستمدون لهم أمداد الصحة، والسلامة من غير الله، بما يقدمون من قرابين وصلوات إلى من يتمسحون بهم من أصنام وأشباه أصنام! (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: تنزه الله وعلا وتمجد عن أن يكون له شركاء، يعملون معه، ويشاركون في تدبير ملكه(53).

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:

قال الشنقيطي (ت 1393هـ):

في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن يشهد لأحدهما:

الأول: أن حواء كانت لا يعيش لها ولد، فحملت، فجاءها الشيطان، فقال لها سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش، والحارث من أسماء الشيطان، فسمته عبد الحارث فقال تعالى: (فلما آتاهما صالحًا) أي: ولدًا إنسانًا ذكرًا جعلًا له شركاء بتسميته عبد الحارث، وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره.

الوجه الثاني: أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحًا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما قال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم)، أي: بتصويرنا لأبيكم آدم لأنه أصلهم، بدليل قوله بعده: (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: (فتعالى الله عما يشركون أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون)، وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن البصري، واختاره ابن كثير، والعلم عند الله تعالى(54).

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد:

قال الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وضمير جعلا: للنفس الواحدة وزوجها، أي: جعل الأبوان المشركان. والشرك مصدر شركه في كذا، أي: جعلا لله شركة، والشركة تقتضي شريكًا أي: جعلا لله شريكًا فيما آتاهما الله، والخبر مراد منه مع الإخبار التعجيب من سفه آرائهم، إذ لا يجعل رشيد الرأي شريكًا لأحد في ملكه وصنعه بدون حق، فلذلك عرف المشروك فيه بالموصولية فقيل فيما آتاهما دون الإضمار بأن يقال: جعلا له شركًا فيه: لما تؤذن به الصلة من فساد ذلك الجعل، وظلم جاعله، وعدم استحقاق المجعول شريكًا لما جعل له، وكفران نعمة ذلك الجاعل، إذ شكر لمن لم يعطه، وكفر من أعطاه، وإخلاف الوعد المؤكد.

وجعل الموصول (ما) دون (من) باعتبار أنه عطية، أو لأن حالة الطفولة أشبه بغير العاقل.

وهذا الشرك لا يخلو عنه أحد من الكفار في العرب، وبخاصة أهل مكة، فإن بعض المشركين يجعل ابنه سادنا لبيوت الأصنام، وبعضهم يحجر ابنه إلى صنم ليحفظه ويرعاه، وخاصة في وقت الصبا، وكل قبيلة تنتسب إلى صنمها الذي تعبده، وبعضهم يسمي ابنه: عبد كذا، مضافًا إلى اسم صنم كما سموا عبد العزى، وعبد شمس، وعبد مناة، وعبد يا ليل، وعبد ضخم، وكذلك امرؤ القيس، وزيد مناة؛ لأن الإضافة على معنى التمليك والتعبيد، وقد قال أبو سفيان، يوم أحد: «اعل هبل» وقالت امرأة الطفيل لزوجها الطفيل بن عمرو الدوسي حين أسلم وأمرها بأن تسلم «لا نخشى على الصبية من (ذي الشرى) شيئًا» ذو الشرى صنم.

وجملة: (فتعالى الله عما يشركون) أي: تنزه الله عن إشراكهم كله: ما ذكر منه آنفًا من إشراك الوالدين مع الله فيما آتاهما، وما لم يذكر من أصناف إشراكهم.

وموقع فاء التفريع في قوله: (فتعالى الله) موقع بديع؛ لأن التنزيه عما أحدثوه من الشرك يترتب على ما قبله من انفراده بالخلق العجيب، والمنن العظيمة، فهو متعال عن إشراكهم لا يليق به ذلك، وليس له شريك بحق، وهو إنشاء تنزيه غير مقصود به مخاطب.

وضمير الجمع في قوله: (يشركون) عائد إلى المشركين الموجودين؛ لأن الجملة كالنتيجة لما سبقها من دليل خلق الله إياهم.

وقد روى الترمذي وأحمد: حديثًا عن سمرة بن جندب، في تسويل الشيطان لحواء أن تسمي ولدها عبد الحارث، والحارث اسم إبليس، قال الترمذي: حديث حسن غريب، ووسمه ابن العربي في «أحكام القرآن»، بالضعف، وتبعه تلميذه القرطبي وبيَّن ابن كثير ما في سنده من العلل، على أن المفسرين ألصقوه بالآية وجعلوه تفسيرًا لها، وليس فيه على ضعفه أنه فسر به الآية ولكن الترمذي جعله في باب تفسير سورة الأعراف من «سننه».

وقال بعض المفسرين: الخطاب في خلقكم من نفس واحدة لقريش خاصة، والنفس الواحدة هو قصي بن كلاب تزوج امرأة من خزاعة، فلما آتاهما الله أولادًا أربعة ذكورًا سمى ثلاثة منهم عبد مناف، وعبد العزى، وعبد الدار، وسمى الرابع «عبدًا» بدون إضافة، وهو الذي يدعى بعبد قصي.

وقرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وأبو جعفر: شركًا- بكسر الشين وسكون الراء- أي: اشتراكًا مع الله، والمفعول الثاني لفعل جعلا محذوف للعلم به، أي: جعلا له الأصنام شركًا، وقرأ بقية العشرة شركاء -بضم الشين- جمع شريك، والقراءتان متحدتان معنى.

وفي جملة: (فتعالى الله عما يشركون) محسن من البديع، وهو مجيء الكلام متزنًا على ميزان الشعر، من غير أن يكون قصيدة، فإن هذه الجملة تدخل في ميزان الرمل.

وفيها الالتفات من الخطاب الذي سبق في قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) وليس عائد إلى ما قبله، لأن ما قبله كان بصيغة المثنى خمس مرات من قوله: (دعوا الله ربهما) إلى قوله: (فيما آتاهما)(55).

زهرة التفاسير:

قال أبو زهرة (ت 1394هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

وقد صور الله تعالى هذا المعنى السامي بقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) كان يقرّان بأنه المعطي وحده، فلما أعطاهما ولدًا سليم الجسم سوي البنية جعلتم ثمة شريكًا في خلقه وتكوينه، فزعمتم أن ما تدعون من دونه له دخل في تكوينه وخلقه فزعمتموهم بأوهامكم أنهم شركاء لله في الخلق والتكوين.

وهكذا نفس من يضل عن سبيل الله، ويسير في طريق الغواية، وتستولي عليه الوساوس، إذا كان في شديدة يستولي عليه الخوف والذعر فيستقيم تفكيره، فإن اطمأن وذهب عنه الخوف لَا يهتدي بل يضل.

(فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْركُونَ) أي: تسامي قدر الله تعالى، وتعالى علوه عما يشركون. "ما" هنا إما مصدرية، والمعنى: تعالى قدره عن إشراكهم، وطغيان الأوهام على نفوسهم، أو "ما" موصولة بمعنى "الذي"، ويكون المعنى: تعالى الله بذاته العلية الذي لَا يماثله شيء في الأرض ولا في السماء أن يكون له مماثل من هذه الأوثان التي لَا تضر ولا تنفع.

وإن هذه قصة تصور حال الإنسان في أمور ثلاثة:

أولًا: أنه وزوجه من جنس واحد مؤتلف متجانس فكلاهما متمم لصاحبه، وكلاهما من خلق واحد، وتكوين واحد، وخلقا متقابلين متكاملين.

وثانيًا: تصور أنه حال الخوف والطمع لَا يلجأ إلا إلى الله، فهو الذي يشبع حاجته، وهو الذي يرجى وحده في الشدة.

وثالثًا: في أنه إذا ذهب الخوف غلبته الأوهام، وسيطرت عليه.

يقول القفَّال في هذه القصة: لما آتاهما ولدًا صالحًا سويًا جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائعيين كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، وذلك الأخير أكثر ما كان عند العرب؛ ولذا قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).

إن مقياس الألوهية هو الخلق والتكوين، فإن كان الله هو الخالق المكوِّن فهو المالك لما خلق وكوَّن، وهو وحده المستحق للعبادة، سبحانه وتعالى، والله تعالى مالك السماوات والأرض وخالقهما، وخالق الإنسان فكيف يعبد غيره؟!؛ ولذا قال تعالى مستنكرا ما عليه الضالون: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)(56).

أوضح التفاسير:

قال محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

المعنى: إنه كان من نسل آدم عليه السلام من كفر بالله تعالى، وجعل له شركاء في العبادة؛ والتثنية بالنسبة للذكر والأنثى(57).

تيسير التفسير:

قال إبراهيم القطان (ت 1405 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل زوجها من جنسها، وكانا يسكنان معا فلما قاربَ الذكرُ الانثى عَلِقت منه. وكان الحمل في اول عهده خفيفا لا تكاد تشعر به، فلما ثقل الجنين دعا الزوج والزوجة ربهما قائلَين: والله لئن رزقتنا ولدا سليما تام الخلقة، لنكونن من الشاكرين لنعمائك. ونالا ما طلبا، لكنهما جعلا الأصنام شركاء في عطيته الكريمة، وتقربا إليها بالشكر، والله وحده هو المستحق لذلك فتعالى اللهُ يُشِركون.

وهناك بعض الروايات المأخوذة من الاسرائيليات تنسب هذه القصة لآدم وحواء وهذا خلط وتخريف.

افتُتحتْ صورة الأعراف بدعوة القرآن إلى دين التوحيد والأمر باتّباع ما انزل الله والنهي عن اتّباع من دونَه، وتلاه التذكير بنشأة الانسان الاولى في الخلق والتكوين، والعداوة بينه وبين الشيطان، ثم اختتمت بهذه المعاني، وفيها التذكير بالنشأة الاولى والنهي عن التشرك. والآية ههنا تتساءل:

هل يصحّ ان يشركوا مع الله أصنامًا لا تقدِر أن تخلُق شيئا من الاشياء، بل هي أضعف مخلوقاته! ان الخلق والأمر لله، هو وحده يخلق كل شيء.

ولا تستطيع هذه الاصنام أن تنصر من يعبدونها، بل حتى ان تردّ الأذى عن نفسها اذا تعدى عليها احد.

وإنْ تدْعوا أيها العبادون لغير الله هذه الاصنام طالبين ان ترشدكم الى ما تحبون، فإنها لن تجيبكم. ان دعاءكم إياها وعدمه سواء، فهي لا تنفع ولا تضر، ولا تهدي ولا تهتدي. أما الرب المعبود الذي بيده كل شيء فهو الله.

ثم بالغ في الردّ عليهم واثبت أنّها أحط منزلة من الناس، ووبخهم على عبادة تلك الحجارة والاصنام، فقال:

{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ...}.

بل ان هذه الاصنام اقل منكم في الخلق والتكوين، فهل لهم ارجل يمشون بها؟ او أيدٍ يدفعون بها الضر عنكم وعنهم؟ او اعين يبصرون بها؟ او حتى آذان يسمعون بها ما تطلبون منهم؟ ليس لهم شيء من ذلك، فكيف تشركونهم مع الله؟

وهذ التحديث للمشركين ليبني جهلهم وعجز آلهتهم، وقد تحداهم في اكثر من آية ولهم عجز هذه الآلهة. من ذلك قوله تعالى: {ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب}(58).

تفسير الشعراوي - الخواطر:

قال الشعراوي (ت 1418هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

ويروى أن هذه الآية قد نزلت في «قصي» وهو جد من أجداده -صلى الله عليه وسلم-، فقد طلب «قُصَيّ» من الله أن يعطي له الذرية الصالحة، فلما أعطاه ربنا الذرية الصالحة سماها بأسماء العبيد، فلم يقل: عبد الله أو عبد الرحمن، بل قال: عبد مناف، عبد الدار، عبد العزى. وجعل لله شركاء في التسمية، ولهذا جاء قول الحق: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا}؛ ليدلنا على أن الإنسان في أضعف أحواله، أي حينما يكون ضعيفًا عن استقبال الأحداث، يخطر بباله ربنا؛ لأنه يحب أن يسلم نفسه لمن يعطي له ما يريده، وبعد أن ينال مطلبه ينسى، ولذلك يقول الحق: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ...} [يونس: 12].

إذن فائدة الضر أنه يجعلنا نلجأ إلى ربنا، ولذلك نجد الإنسان أحسن ما يكون ذكرًا لله وتسبيحًا لله حينما يكون في الشدة وفي المرض، ولذلك لو قدر المريض نعمة الله عليه في مرضه وشدته، لا أقول: إنه قد يحب أن يستطيل مدة المرض والشدة. لا، بل عليه فقط ألا يضجر وأن يلجأ إلى ربه ويدعوه. وقد علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ذلك حينما قال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدوّ مّلكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قول إلا بك».

والإنسان ساعة يوجد في المرض عليه أن يعرف النعمة فيه، فهو في كل حركة من حركاته يذكر الله، وكما تخمد فيه طاقات الاندفاعات الشهوانية، يمتلئ بإيجابيات علوية، ولذلك نجد الحديث القدسي يقول فيه ربنا سبحانه وتعالى:

«يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب. كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب. كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي».

إذن ماذا عن حال مريض يستشعر أن ربه عنده، ويكون في المرض مع المنعم، وفي الصحة مع النعمة.

{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} ومعنى هذا أن ربنا تبارك وتعالى ينزه نفسه عما يقول فيه المبطلون ويشركون معه ما يزعمون من آلهة. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ...}(59).

التفسير الوسيط للقرآن الكريم:

قال د. محمد سيد طنطاوي (ت 1431 هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

أي: فحين أعطاهما -سبحانه- الولد الصالح الذي كانا يتمنيانه، جعلا للّه -تعالى- شركاء في هذا العطاء، وأخلا بالشكر في مقابلة هذه النعمة أسوأ إخلال، حيث نسبوا هذا العطاء إلى الأصنام والأوثان، أو إلى الطبيعة كما يزعم الطبعيون أو إلى غير ذلك مما يتنافى مع إفراد اللّه -تعالى- بالعبادة والشكر(60).

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير:

قال أبو بكر الجزائري (ت 1439هـ):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{لئن آتيتنا صالحًا} أي: غلامًا صالحًا {لنكونن من الشاكرين} أي لك. واستجاب الرب تعالى لهما وآتاهما صالحًا. وقوله تعالى {فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما} حيث سمته حواء عبد الحارث بتغرير من إبليس، إذ اقترح عليهما هذه التسمية، وهي من الشرك الخفي المعفو عنه، نحو لولا الطبيب هلك فلان، وقوله {فتعالى الله عما يشركون} عائد إلى كفار قريش الذين يشركون في عبادة الله أصنامهم وأوثانهم، بدليل قوله بعد {أيشركون ما لا يخلق شيئًا} أي: من المخلوقات {وهم} أي: الأوثان وعبادها {يخلقون، ولا يستطيعون لهم نصرًا} إذا طلبوا منهم ذلك. {ولا أنفسهم ينصرون} لأنهم جمادات لا حياة بها، ولا قدرة لها(61).

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل:

قال عبد الله بن أحمد بن علي الزيد (معاصر):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فلما آتاهما صالحًا} بشرًا سويًا {جعلا له شركاء فيما آتاهما} قرأ أهل المدينة وأبو بكر (شركًا) بكسر الشين والتنوين، أي: شركة، قال أبو عبيدة: أي: حظًا ونصيبًا، وقرأ الآخرون (شركاء) بضم الشين ممدودًا على جمع شريك يعني إبليس، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع، أي: جعلا له شريكًا إذ سمياه عبد الحارث، ولم يكن هذا إشراكًا في العبادة، ولا أن الحارث ربهما فإن آدم كان نبيًا معصومًا من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على من لا يراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير. أنا عبدك، وقال يوسف لعزيز مصر: (إنه ربي)، ولم يرد به أنه معبوده كل ذلك هذا. وقوله: {فتعالى الله عما يشركون} يل: هذا ابتداء كلام، وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وفي الآية قول آخر: هو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول الحسن وعكرمة، ومعناه: جعل أولادهما شركاء فحذف الأولاد، وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء، فقال: {ثم اتخذتم العجل} {وإذ قتلتم نفسًا} خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهودوا، ونصروا. وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد الله وعبد مناة ونحوه. وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله: خلقكم أي: خلق كل واحد من أبيه، وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها زوجها، وهذا قول حسن لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة المفسرين أنه في آدم وحواء(62).

التفسير الواضح:

قال الحجازي محمد محمود (معاصر):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

فلما آتاهما النسل الصالح جعلا، أي: بعض بنى آدم من الذكور والإناث له شركاء فيما آتاهما، واتجها إلى غير الله الذي أعطاهما، تعالى الله عما يشركون وقد رأى بعض المفسرين في هذه الآية أن المراد: خلقكم يا بنى آدم من نفس واحدة هي آدم وجعل منها زوجها وهي حواء، وأن الشرك كان من بعض أولادهما ككفار مكة واليهود والنصارى وقد نسب إليهما، والمراد أولادهما بدليل: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وفي الكشاف أن المراد بالزوجين الجنس لا فردان معينان.

ثم أخذ القرآن في نقاش هؤلاء المشركين، أيشركون بالله شيئًا لا يخلق أبدًا أي شيء؟ بل إنه لا يملك نفعًا ولا ضرًا لنفسه ولا لغيره، والحال أن ما يشركون به من صنم أو وثن هو مخلوق ضعيف إن يسلبه الذباب شيئًا لا يستطيع إنقاذه منه ولا يستطيع لهؤلاء المشركين نصرًا في أي ميدان، وإن تدعوهم إلى هدايتكم لا يستجيبون لكم وكيف يستجيبون؟

وكيف يداوى القلب... من لا له قلب، يستوي عندهم دعاؤكم وبقاؤكم صامتين، والإله المعبود، والرب الموجود لا يكون بهذا الوضع أبدا فهو السميع البصير، العليم الخبير الناصر القادر- سبحانه وتعالى-(63).

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج:

قال وهبة بن مصطفى الزحيلي (معاصر):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

فلما آتاهما الله ما طلبا، ورزقهما ولدًا صالحًا سويًا كامل الخلقة، جعل الزوجان لله شركاء أي: شريكًا فيما آتاهما وأعطاهما، فتعالى أي تعاظم وتنزه اللَّه (عَمَّا يُشْرِكُونَ) وينسبون له من الولد والشريك.

ومن المراد بقوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما)؟

ذكر بعض المفسرين كالسيوطي أن المراد آدم وحواء، بالاعتماد على حديث ضعيف في الترمذي وغيره، وهو ما رواه سمرة عن النبي -صلّى الله عليه وآله وسلم- قال: لما ولدت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث -وكان اسم إبليس حارثًا بين الملائكة- فإنه يعيش، فسمته، فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره.

وتؤيده روايات إسرائيلية كثيرة لا إثبات لها، فلا يعول عليها، وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء.

والواقع -على افتراض أن المراد بالنفس الواحدة: آدم- أن نسبة هذا الجعل إلى آدم وحواء يراد به بعض أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهوّدوا ونصّروا.

وأيّد ابن كثير هذا التأويل عن الحسن -رضي الله عنه-، فقال: وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية... وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري -رحمه الله- في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: بصيغة الجمع. فذكر آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ) ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن.

والخلاصة: إن الشرك نسب إلى آدم وحواء، والمراد به أولادهما، كاليهود والنصارى والمشركين لأن آدم وزوجته لم يكونا مشركين.

قال الزمخشري في قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) أي: جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك (فِيما آتاهُما) أي: آتى أولادهما، وقد دل على ذلك قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم. وقد ذكر الرازي هذا التأويل.

وذكر أيضًا أي: الرازي تأويلًا آخر للآية وهو أن قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، وتقريره: فلما آتاهما صالحًا، جعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك، وينسبونه إلى آدم عليه السّلام.

وهذا كله على تسليم أن القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء.

وهناك من جعل الخطاب في الآية لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلم-، وهم آل قصي، إذ سمّى قصي وزوجته القرشيان أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات.

وقال القفال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، على أساس أن المراد بالزوجين الجنس، أي: خلق كل واحد منكم من نفس واحدة أو جنس واحد، وجعل من جنسها زوجها إنسانًا يساويه في الإنسانية(64).

جامع لطائف التفسير:

قال عبد الرحمن بن محمد القماش:

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

[هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها] إلى آخر الآية. قالوا لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء, فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله: [جعلا له شركاء فيما آتاها فتعالى الله عما يشركون] يقتضي صدور الشرك عنهما, والجواب: لا نسلم أن النفس الواحدة هي آدم وليس في الآية ما يدل عليه بل نقول: الخطاب لقريش وهم آل قصي والمعنى خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة: بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي, والضمير في يشركون لهما ولأعقابهما فهذا الجواب هو المعتمد(65).

أيسر التفاسير:

قال أسعد حومد:

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

فلما رزقهما الله تعالى ولدا سليما سويا، نسيا دعوتهما لله، وجعلا الأصنام شركاء لله في عطيته لهما، وتقربا إليها شاكرين. فتعالى الله وتنزه عن كل شركة في الملك.

(ويري الحسن البصري أن المراد بالسياق ليس آدم وحواء وإنما المراد المشركون من ذريتهما)(66).

صفوة التفاسير:

قال محمد علي الصابوني (معاصر):

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

[لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين] أي: لئن رزقتنا ولدًا صالحًا سوي الخلقة، لنشكرنك على نعمائك.

[فلما آتاهما صالحًا] أي: فلما وهبهما الولد الصالح السوي. [جعلا له شركاء فيما آتاهما] أي: جعل أبناء آدم وذريته، شركاء مع الله فعبدوا الأوثان والأصنام، ذهبنا إلى هذا الرأي لجلائه ووضوحه، وهو ما رجحه المحققون من أهل العلم، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية في "آدم وحواء" وأن الضمير في قوله تعالى: {جعلا له شركاء} يعود إليهما، ورووا في ذلك أحاديث وآثارًا، منها ما روي عن سمرة مرفوعًا قال: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه: "عبد الحارث" فانه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان، قال الحافظ ابن كثير: وهذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه وقد وضحها -رحمه الله- ورجح أن الحديث موقوف، وضعف ما ورد من آثار، ثم روى بسنده عن الحسن البصري أنه قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بأدم ثم قال ابن كثير: وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق "آدم وحواء" وإنما المراد المشركون من ذريته، بدليل قول الله بعده {فتعالى الله عما يشركون} أقول: وهو الحق الذي لا محيد عنه، لأن نسبة آدم إلى الشرك وهو نبي كريم أمر خطير. [فتعالى الله عما يشركون] أي: تنزه وتقدس الله عما ينسبه إليه المشركون(67).

الحاوي في تفسير القرآن الكريم ويُسَمَّى (جَنَّةُ الْمُشْتَاقِ في تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَلِكِ الْخَلَّاقِ):

قال عبد الرحمن بن محمد القماش:

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

{فلما آتاهما} أي: أبويكم آدم وحواء {صالحًا} أي جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنًا وقوة وعقلًا، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكورًا وإناثًا {جعلا} أي: النوعان من أولادهما الذكور والإناث، لأن "صالحًا" صفة لولد وهو للجنس فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولادًا صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي: بعضهم أصنامًا وبعضهم نارًا وبعضهم شمسًا وبعضهم غير ذلك، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم بكسر الشين وإسكان الراء والتنوين التقدير: ذوي شرك {فيما آتاهما} أي: من القوى بالعبادة والرزق بالنذور ونحوها.

ولما لم يضر المشركون بالإشراك إلا أنفسهم، سبب عن ذلك قوله: {فتعالى الله} أي بما له من صفات الكمال التي ليست لغيره تعاليًا كثيرًا، والدليل على إرادة النوعين قوله: {عما يشركون} بالجمع، وكذا ما بعده من عيب عبادة الأصنام(68).

(

التفسير النبوي) مُقَدِّمَةٌ تَأْصِيْلِيَّةٌ مَعَ دِرَاسَةٍ حَدِيثِيَّةٍ لِأَحَادِيْثِ التَّفْسِيْرِ النَّبَوِيِّ الصَّريح:

قال خالد بن عبد العزيز الباتلي:

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

عن سمرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لما حملت حواء؛ طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسموه عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره).

تخريجه:

أخرجه أحمد 5: 11 قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة -رضي الله عنه-.. فذكره.

وأخرجه الترمذي (3077) في تفسير القرآن: باب ومن سورة الأعراف، والطبري 10: 623، وابن أبي حاتم 5: 1631 (8637)، والطبراني في الكبير 7: 215 (6895)، وابن عدي في الكامل 5: 43، والحاكم 2: 545، كلهم من طريق عمر بن إبراهيم، به بنحوه.

وعزاه في (الدر المنثور) 6: 700 إلى: أبي الشيخ، وابن مردويه.

وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.

وقال ابن عدي: وهذا لا أعلم يرويه عن قتادة؛ غير عمر بن إبراهيم(69).

حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن:

قال محمد الأمين الهرري:

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

أي: فلما أعطى الله سبحانه وتعالى آدم وحواء {صالِحًا}؛ أي: ولدا صالحا، وبشرا سويا {جَعَلا}؛ أي: جعل آدم وحواء {لَهُ} سبحانه وتعالى {شُرَكاءَ} يعني إبليس، فأوقع الواحد موقع الجمع {فِيما آتاهُما}؛ أي: في تسمية ما أعطاهما الله سبحانه وتعالى من الولد الصالح، حيث سمياه عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدا إلا لله تعالى، ولم تعرف حواء أنّه إبليس، ولم يكن هذا شركا بالله، لأنّهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما قصدا إلى أنّه كان سبب نجاته وسلامة أمه. قال كثير من المفسرين: إنّه جاء إبليس إلى حواء وقال لها: إن ولدت ولدا.. فسميه باسمي، فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته، فسمته عبد الحارث، فكان هذا شركا في التسمية، ولم يكن شركا في العبادة، وإنّما قصدت أن الحارث كان سبب نجاة الولد، كما سمى الرجل نفسه عبد ضيفه، كما قال حاتم الطائي: وإنّي لعبد الضّيف ما دام ثاويا... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد

وقرأ حماد بن سلمة عن ابن كثير: {حَمْلًا}: بكسر الحاء، وقرأ الجمهور: {فَمَرَّتْ بِهِ} قال الحسن: أي: استمرت به، وقيل: هذا على القلب؛ أي: فمر الحمل بها؛ أي: استمر بها، وقال الزمخشري: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا إزلاق، وقرأ ابن عباس فيما ذكر النقاش، وأبو العالية، ويحيى بن يعمر وأيوب {فَمَرَّتْ بِهِ} خفيفة الراء من المرية؛ أي: فشكت فيما أصابها أهو حمل أو مرض؟. وقيل: معناه استمرت به، لكنهم كرهوا التضعيف فخففوه، نحو: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} فيمن فتح من القرار، وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري {فمارت به} بألف وتخفيف الراء؛ أي: جاءت وذهبت وتصرفت به، كما تقول: مارت الريح مورا، ووزنه فعل، وقال الزمخشري: من المرية كقوله تعالى: {أفتمرونه} ومعناه ومعنى المخففة: {فَمَرَّتْ} وقع في نفسها ظن الحمل، وارتابت به، ووزنه فاعل، وقرأ عبد الله {فاستمرت بحملها}. وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضا والضحاك: {فاستمرت به}. وقرأ أبي بن كعب والجرمي {فاستمارت به}. والظاهر رجوعه إلى المرية، بني منها استفعل كما بني منها فاعل في قولك: {ماريت}.

وقرىء: {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ} على البناء للمفعول، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد، وأبان بن تغلب ونافع وأبو بكر عن عاصم: {شركا} على المصدر، وهو على حذف مضاف؛ أي: ذا شرك، ويمكن أن يكون أطلق الشرك على الشريك، كقولهم: زيد عدل، قال الزمخشري: أو أحدث لله إشراكا في الولد. انتهى، وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وابن كثير وأبو عمرو: {شُرَكاءَ}. على الجمع ويبعد توجيه الآية أنها في آدم وحواء على هذه القراءة، وتظهر باقي الأقوال عليهما، وفي مصحف أبي {فلما آتاهما صالحا أشركا فيه} وجملة قوله: {فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}؛ أي: فترفع الله سبحانه وتعالى، وتنزه عن شركة ما يشرك به الكفار، من الأصنام والطواغيت، معطوفة على جملة قوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} والتقدير: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، فتعالى عما يشركون، ويكون في قوله: {يُشْرِكُونَ} التفات وما بينهما، وهو قوله: {وَجَعَلَ مِنْها} إلى قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفي «الكرخي»: هذه الجملة مسببة معطوفة على خلقكم؛ أي: وليس لها تعلق بقصة آدم وحواء أصلا، ويوضح ذلك تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية، ولو كانت القصة واحدة لقال: عما يشركان، كقوله: {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما} اه، ويؤيد هذا التأويل قراءة السلمي: {عما تشركون} بتاء الخطاب، التفاتا من الغيبة إلى الخطاب.

وقال بعض المفسرين: وقد نسب هذا الجعل إلى آدم وحواء، والمراد أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا، وقال الحافظ ابن كثير: أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا التأويل، وأنه ليس المراد من السياق آدم وحواء، وإنّما المراد من ذلك ذريته، ولهذا قال: {فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم قال: فذكره آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس. اه وقال صاحب «الانتصاف»: إن المراد جنس الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى - والله أعلم -: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى.. جرى من هذين الجنسين كيت كيت، وإنّما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأنّ المشركين منهم، كقوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} وقوله: {قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ} وقوله: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ}. اه وقال صاحب «الكشاف»: إن المراد بالزوجين الجنس لا الفرد؛ أي: معينان، والغرض بيان حال البشر فيما طرأ عليهم من نزغات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله، والجنس يصدق ببعض أفراده.

وبهذا: تعلم أن ما روي عن بعض الصحابة والتابعين من أن الآية في آدم وحواء، وما روي في حديث سمرة بن جندب مرفوعا: قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد - وذلك لأنّها ولدت قبل ذلك عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فأصابهم الموت - فقال لها: سميه عبد الحارث، فإنّه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان؛ أي:

وسوسته، ونحوه آثار كثيرة في هذه المعنى مفصلة ومطولة، فهو خرافة من دس الإسرائيليين، نقلت عن مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، فلا يوثق بها؛ لأنّ فيها طعنا صريحا في آدم وحواء عليهما السلام، ورميا لهما بالشرك، ومن ثم رفضها كثير من المفسرين، وقال الحافظ ابن كثير: وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنّها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال:

«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم».

وأخبار أهل الكتاب ثلاثة أقسام:

فمنها: ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.

ومنها: ما علمنا كذبه بما دل الدليل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا.

ومنها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».

وهو لا يصدق ولا يكذب لقوله: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»(70).

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون:

قال مأمون حموش:

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

قال الحسن: (كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم) - ذكره ابن جرير بسنده عنه، ثم قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: (عَنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده. يعني: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}).

ثم قال: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: (كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهوّدوا ونصَّروا).

قال الحافظ ابن كثير: (وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن - رحمه الله - أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية).

قلت: وأما ما أورده ابن جرير بسنده عن سمرة بن جندب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كانت حوّاء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه "عبد الحارث"، فعاش لها ولد، فسمته "عبد الحارث"، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان) - فلا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هو ضعيف منكر. ويبقى ما ذكره الحسن واستحسنه ابن كثير، هو الأقرب للتأويل الصحيح والأنسب لمقام نبوة أبينا آدم - عليه الصلاة والسلام - والله تعالى أعلم(71).

الدخيل في التفسير – جامعة المدينة:

قال المؤلف:

فمن الروايات التي لا تصح ومرجعها إلى الإسرائيليات: ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِين • فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون} وهذه الآية تعتبر من أشكل الآيات في القرآن من حيث إ ن ظاهرها يدل على نسبة الشرك لآدم وحواء؛ وذلك على ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المراد بالنفس الواحدة: نفس آدم -عليه السلام- وبقوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: حواء -رضي الله عنها- وقد أوَّل العلماء المحققون الآية تأويلًا صحيحًا يتفق وعصمة الأنبياء في عدم جواز إسناد الشرك إليهم -عليهم الصلاة والسلام- كما سنبين ذلك -إن شاء الله.

الحديث المرفوع والآثار الواردة في هذا:

وقد زاد الطين بلة ما ورد في الحديث المرفوع وبعض الآثار عن بعض الصحابة والتابعين في تفسير قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون} وقد اغتر بهذه الروايات كثير من المفسرين؛ كالإمام ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، وإن كان الأخير قد ضعَّف الروايات ولم تركن نفسه إليها واعتبرها من الإسرائيليات، وصاحب (الدر المنثور) أيضًا.

والعجيب أن إمامًا كبيرًا له في رد الموضوعات والإسرائيليات فضل غير منكور ومفسرًا متأخرًا وهو عالم عظيم هو الإمام الألوسي قد انخدع بهذه المرويات، والكلام في هذا لشيخنا الدكتور محمد أبو شهبة، يقول: إن الإمام الألوسي قد انخدع بهذه المرويات فقال: وهذه الآية عندي من المشكلات، وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض، وما ذكرناه هو الذي يشير إليه الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات.

ثم قال: وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر أن الآية نزلت في تسمية آدم وحواء ولديهما بعبد الحارث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبيل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيرًا للآية، وأنت قد علمت أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأراه قد صح، ولذلك أحجم كُميت قلمي عن الجري في ميدان التأويل؛ كلمة كميت قالوا: إنها من الخيل والإبل وهي أنواع جيدة، يحجم قلمه عن الجري في ميدان التأويل كما جرى غيره، والله تعالى الموفق للصواب.

وبعض المفسرين أعرض عن ذكر هذه المرويات، وذلك كما فعل صاحب (الكشاف) وتابعه النسفي، وبعض المفسرين عرض لها ثم بيَّن عدم ارتضائه لها؛ وذلك كما صنع الإمام القرطبي في (تفسيره) فقال: ونحو هذا مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات كثير ليس لها إثبات؛ فلا يعول عليها، ولا يعول عليها من له قلب؛ فإن آدم وحواء وإن غرهما بالله الغرور؛ فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه قد سطر وكتب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خدعهما مرتين: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض".

فارس هذه الحلبة هو الإمام ابن كثير؛ فقد نقد المرويات نقدًا علميًّا أصيلًا على مناهج المحدثين وطريقتهم في نقد الرواة، وبيَّن أصل هذه المرويات وأن مرجعها إلى الإسرائيليات؛ وإنا لنعجب كيف أن الإمام الألوسي وهو المتأخر لم يشِر إلى كلامه؟ لعله لم يطلع عليه(72).

المنتخب في تفسير القرآن الكريم:

قال المؤلف:

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

هو اللَّه الذي أنشأكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، واستمرت سلالتهما في الوجود. وكنتم زوجًا وزوجة، فإذا تغشاها حملت محمولًا خفيفًا هو الجنين عند كونه علقة ومضغة، فلما ثقل الحمل في بطنها دعا الزوج والزوجة ربهما قائلين: واللَّه لئن أعطيتنا ولدًا سليمًا من فساد الخلقة، لنكونن من الشاكرين لنعمائك، فلما أعطاهما ما طلبا جعلا الأصنام شركاء للَّه تعالى في عطيته الكريمة، وتقربا إليها، كأنهما يشكرانها، واللَّه -وحده- هو المستحق للشكر يتعالى ويتسامى عن أن يكون كشركائهم(73).


(1) تفسير مجاهد 124.
(2) تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 429.
(3) تفسير الطبري 13/ 315.
(4) تفسير ابن أبى حاتم 5/ 1633.
(5) تفسير الماتريدي 5/ 111 - 115.
(6) تفسير بحر العلوم 2/ 171.
(7) تفسير الثعلبي 4/ 316 - 317.
(8) تفسير الماوردي 2/ 286، 287.
(9) الوجيز للواحدي ص: 255.
(10) التفسير البسيط 9/ 511 - 520.
(11) تفسير السمعاني 2/ 239، 240.
(12) تفسير البغوي 3/ 311.
(13) تفسير الكشاف 2/ 187.
(14) تفسير ابن عطية 2/ 487- 489.
(15) أحكام القرآن لابن العربي المالكي 2/ 354، 355.
(16) تذكرة الأريب، لابن الجوزي ص: 195.
(17) تفسير ابن الجوزي 2/ 178.
(18) تفسير الرازي 15/ 427 - 430.
(19) تفسير أبو حيان الأندلسي 5/ 244 - 247.
(20) تفسير العز بن عبد السلام 1/ 517، 518.
(21) تفسير القرطبي 7/ 338، 339.
(22) تفسير البيضاوي 3/ 45.
(23) تفسير النسفي 1/ 624.
(24) الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية ص: 302.
(25) تفسير ابن جزي 1/ 316.
(26) حاشية الطيبي على الكشاف 6/ 701.
(27) تفسير الدر المصون في علوم الكتاب المكنون 5/ 535، 536.
(28) تفسير ابن كثير 3/ 477.
(29) تفسير اللباب في علوم الكتاب 9/ 418- 420.
(30) تفسير ابن عرفة 2/ 272، 273.
(31) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس 1/ 185.
(32) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 3/ 360.
(33) تفسير الجلالين ص: 223.
(34) تفسير الثعالبي 3/ 102 - 105.
(35) تفسير اللباب لابن عادل صـ(2492، 2493).
(36) نظم الدرر 3/ 168 - 169.
(37) فتح الرحمن في تفسير القرآن 3/ 73، 74.
(38) تفسير شمس الدين الخطيب 1/ 544 - 546.
(39) تفسير أبي السعود 3/ 304، 305.
(40) روح البيان 3/ 295.
(41) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 2/ 293.
(42) فتح القدير 2/ 313.
(43) تفسير روح المعاني 5/ 130 - 134.
(44) تفسير القاسمي 5/ 235 - 237.
(45) تفسير الخازن 2/ 281.
(46) تفسير المنار 9/ 433 - 438.
(47) تفسير ابن أبى زمنين 1/ 222.
(48) التفسير المظهري ص: 1407.
(49) تفسير المراغي 9/ 139- 141.
(50) تفسير السعدي ص: 312.
(51) توفيق الرحمن في دروس القرآن 2/ 276، 277.
(52) في ظلال القرآن 3/ 1412 - 1415.
(53) التفسير القرآني للقرآن 5/ 539.
(54) أضواء البيان للشنقيطي (2/ 46، 47).
(55) التحرير والتنوير 9/ 213 - 215.
(56) زهرة التفاسير 6/ 3031، 3032.
(57) أوضح التفاسير 1/ 207.
(58) تيسير التفسير للقطان 2/ 93 - 94.
(59) تفسير الشعراوي 8/ 4517 - 4519.
(60) التفسير الوسيط للقرآن الكريم 5/ 453.
(61) أيسر التفاسير للجزائري 2/ 274.
(62) مختصر تفسير البغوي 2/ 337، 338.
(63) التفسير الواضح 1/ 795، 796.
(64) التفسير المنير للزحيلي 9/ 201 - 204.
(65) جامع لطائف التفسير 1/ 327.
(66) تفسير أيسر التفاسير لأسعد حومد ص: 1145.
(67) صفوة التفاسير 1/ 323.
(68) الحاوي في تفسير القرآن الكريم 300/ 327.
(69) التفسير النبوي 1/ 362.
(70) حدائق الروح والريحان 10/ 282 - 285.
(71) التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون 3/ 300.
(72) الدخيل في التفسير - جامعة المدينة ص: 244، 245.
(73) المنتخب في تفسير القرآن الكريم ص: 238، 239.

ورد في هذه القصة روايات إسرائيلية، ذكرها المفسرون في تفاسيرهم، وعلقوا عليها، ما بين مؤيدٍ للقصة الإسرائيلية ورافضٍ لها:

وتتلخص أقوال المؤيدين في النقاط التالية:

- أن المعنيَّ في هذه القصة آدم وحواء، وأن الإشراك في الاسم لا في العبادة، وممن قال بذلك: (الطبري، السمعاني، البغوي، العز بن عبدالسلام، القرطبي، فيصل بن عبد العزيز النجدي، مجاهد، مقاتل بن سليمان، ابن أبي حاتم، الخازن، أبو الليث السمرقندي، مجير الدين بن محمد العليمي، جلال الدين المحلي)(1).

• قال الطبري: "وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} في الاسم لا في العبادة، وأن المعنيَّ بذلك آدم وحواء، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك"(2).

• قال السمعاني: "لم يكن هذَا إشراكًا فِي التَّوْحِيد، وإنّما ذلك إشراك فِي الِاسْم، وذلكَ لَا يقْدَح فِي التَّوْحِيد، وَهُوَ مثل تَسْمِيَة الرجل وَلَده عبد يَغُوث وَعبد زيد وَعبد عَمْرو، وَقَول الرجل لصَاحبه: أَنا عَبدك"(3).

• قال البغوي: "ولم يكن هذا إشراكًا في العبادة ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم كان نبيًا معصومًا من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه"(4).

• قال مقاتل ين سليمان: "فكان الشرك في الطاعة من غير عبادة، ولم يكن شركًا في عبادة ربهم"(5).

- آدم وحواء لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد، وممن قال بذلك: (القرطبي، المظهري، الواحدي)(6).

• قال القرطبي: "قال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبدالحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه"(7).

• قال المظهري: "قال البغوي: لم يكن هذا إشراكًا في العبادة ولا في اعتقاد أن الحارث ربهما، فان آدم كان نبيًا معصومًا من الشرك ولكن قصد أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه"(8).

- 101313 التسمية من الشرك الخفي المعفو عنه، وممن قال بذلك: (أبو بكر الجزائري)(9).

• قال الجزائري: "سمته حواء عبد الحارث بتغرير من إبليس، إذ اقترح عليهما هذه التسمية، وهي من الشرك الخفي المعفو عنه(10).

تتلخص أسباب الرفض عند المفسرين في النقاط التالية:

- الأول: تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:

بجعل الخطاب في قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ}، {يُشْرِكُونَ} لمشركي العرب كقصي، وممن قال بذلك: (البيضاوي، النسفي، ابن كثير، الثعالبي، أبو السعود، يونس الخطيب، الشنقيطي، الطاهر بن عاشور، الشعراوي، الحجازي محمد محمود، وهبة الزحيلي، الصابوني، الماتريدي، فخر الدين الرازي، ابن عرفة، أسعد حومد، نظام الدين النيسابوري، عبد الرحمن بن محمد القماش)(11).

• قال البيضاوي: "ويحتمل أن يكون الخطاب في {خَلَقَكُمْ} لآل قصي من قريش"(12).

• قال أبو السعود: "الخطاب لآل قصي من قريش، والمراد بالنفس الواحدة: نفس قصي، فإنهم خلقوا منه"(13).

أو عام لجميع الخلق وليس لآدم وحواء، وممن قال بذلك: (ابن جزي، شمس الدين الخطيب، ابن عجيبة، محمد رشيد رضا، المراغي، السعدي، الشوكاني)(14)، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وممن قال بذلك: (أبو السعود، إسماعيل حقي، فخر الدين الرازي، القرطبي، شمس الدين الخطيب، الزمخشري)(15).

• قال القرطبي: "قال عكرمة: لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم"(16).

• قال البيضاوي: "أي: جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما، فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ}"(17).

• قال النسفي: "أي: جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك {فِيمَا آتَاهُمَا} أي: آتى أولادهما، دليله {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} حيث جمع الضمير وآدم وحواء بريئان من الشرك"(18).

• قال ابن كثير: "وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحم الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته"(19).

• قال إسماعيل حقي: "أي: جعل أولادهما له تعالى {شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} أي: فيما آتى أولادهما من الأولاد ففي الكلام حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وإلا لزم نسبتهما أي: آدم وحواء إلى الشرك، وهما بريئان منه بالاتفاق، ويدل على الحذف المذكور صيغة الجمع في قوله تعالى: {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ}"(20).

أو بجعل إشراك ذرية آدم وحواء بتسمية أولادهم بعبد العزى وعبد مناف، وممن قال بذلك: (البيضاوي، النسفي، ابن عجيبة)(21).

• قال البيضاوي: "أي: جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما، فسموه عبد العزى وعبد مناف"(22).

• قال النسفي: "ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزة وعبد مناف وعبد شمس ونحو ذلك"(23).

• قال ابن عجيبة: "{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} كما سألا، جعل أولادُهما لَهُ {شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح"(24).

- الثاني: القصة آثارها منقولة عن أهل الكتاب، وتفتقر إلى نقل بسند صحيح، وممن قال بذلك: (ابن جزي، وابن كثير، الثعالبي، ابن عجيبة، القاسمي، محمد رشيد رضا، المراغي، الشنقيطي، وهبة الزحيلي، الصابوني، أبو بكر بن العربي)(25).

• قال ابن جزي: "أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة"(26).

• قال ابن كثير: "بعد أن ذكر أقسام أخبار بني إسرائيل، وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث"(27).

- الثالث: قوله تعالى في هذه القصة: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وممن قال بذلك: (فخر الدين الرازي، عمر بن علي الدمشقي، نظام الدين النيسابوري)(28).

- الرابع: آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالمًا بجميع الأسماء كما قال تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها فكان لابد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث، فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى إنه لم يجد سوى هذا الاسم؟ وممن قال بذلك: (فخر الدين الرازي، سراج الدين بن عمر الحنبلي، عمر بن علي الدمشقي، نظام الدين النيسابوري)(29).

- الخامس: بتقدير أن آدم عليه السلام سماه بعبد الحرث، فلا يخلو من أمرين:

إما أن يقال: إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له: وهذا ليس شركًا بالله؛ لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك.

أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله: وهذا قول بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكًا في الخلق والإيجاد والتكوين، وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم، وذلك لا يقوله عاقل، ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه.

وممن قال بذلك: (فخر الدين الرازي، سراج الدين بن عمر الحنبلي، عمر بن علي الدمشقي)(30).

- السادس: قوله تعالى: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، والتقدير: "(فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا أَجَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا؟)؛ وذلك أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، وممن قال بذلك: (فخر الدين الرازي، عمر بن علي الدمشقي)(31).

- السابع: التثنية في قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ}؛ لأن ولده قسمان ذكر وأنثى، فعبر مرة عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وممن قال بذلك: (فخر الدين الرازي، المراغي، نظام الدين النيسابوري، البقاعي، أبو بكر بن العربي، عبد الرحمن بن محمد القماش)(32).

• قال المراغي: "قال صاحب الكشاف: إن المراد بالزوجين الجنس لا فردان معينان"(33).

- الثامن: هذه القصة ذُكرت لأغراض، منها:

تعديد النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النسل والولادة، ثم ذكر سوء فعل المشركين الموجب للعقاب، فقال مخاطبًا لجميع الناس: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يريد: آدم وحواء، أي: واستمرت حالكم واحدًا واحدًا كذلك، فهذه نعمة يختص كل واحد بجزء منها، ثم جاء قوله: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا......} إلى آخر الآية، وصفًا لحال الناس واحدًا واحدا، أي: هكذا يفعلون، فإذا آتاهم الله ولدًا صالحًا سليمًا كما أرادوه، صرفوه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين، وممن قال بذلك: (الثعالبي)(34).

ضرب المثل، وبيان حالة المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وممن قال بذلك: (القاسمي، فخر الدين الرازي)(35).

التوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذِكر الشخص إلى الجنس، وممن قال بذلك: (ابن كثير، المراغي)(36).

- التاسع: القراءات الثابتة في {شُرَكَاءَ} تدل على الجمع، وليست على التثنية:

قرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر: (شركًا) -بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: {شُرَكَاءَ} على الجمع.

وممن قال بذلك: (الثعالبي، أبو السعود، الطاهر بن عاشور)(37).

- العاشر: لو سلمنا صحة تلك القصة المذكورة، نقول: إنهم سموا بعبد الحرث؛ لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث، وممن قال بذلك: (فخر الدين الرازي، عمر بن علي الدمشقي)(38).

- الحادي عشر: التوقف، وممن قال بذلك: (الثعالبي).

• قال الثعالبي: "الواجب التوقف، والتنزيه لمن اجتباه الله، وحسن التأويل ما أمكن"(39).


(1) تفسير الطبري 13/ 315، تفسير السمعاني 2/ 239، تفسير البغوي 2/ 258، تفسير العز بن عبد السلام 1/ 517، 518، تفسير القرطبي 7/ 338، تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن 2/ 276، تفسير مجاهد 124، تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 429، تفسير ابن أبى حاتم 5/ 1633، تفسير بحر العلوم 2/ 171، فتح الرحمن في تفسير القرآن 3/ 73، تفسير الجلالين ص: 223.
(2) تفسير الطبري 13/ 315.
(3) تفسير السمعاني 2/ 239.
(4) تفسير البغوي 2/ 258.
(5) تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 429.
(6) تفسير القرطبي 7/ 338، التفسير المظهري ص: 1408، تفسير الواحدي ص: 255.
(7) تفسير القرطبي 7/ 338.
(8) التفسير المظهري ص: 1408.
(9) أيسر التفاسير للجزائري 2/ 274.
(10) أيسر التفاسير للجزائري 2/ 274.
(11) تفسير البيضاوي 3/ 45، تفسير أبي السعود 3/ 305، تفسير النسفي 1/ 624، تفسير ابن كثير 3/ 477، تفسير الثعالبي 3/ 102، التفسير القرآني للقرآن 5/ 539، تفسير أضواء البيان للشنقيطي 2/ 46، تفسير التحرير والتنوير 9/ 213، تفسير الشعراوي 8/ 4517، التفسير الواضح 1/ 795، التفسير المنير للزحيلي 9/ 204، صفوة التفاسير 1/ 323، تفسير الماتريدي 5/ 111، تفسير الرازي 15/ 427، تفسير ابن عرفة 2/ 273، تفسير أيسر التفاسير لأسعد حومد ص: 1145، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 3/ 360، الحاوي في تفسير القرآن الكريم 300/ 327.
(12) تفسير البيضاوي 3/ 45.
(13) تفسير أبي السعود 3/ 305.
(14) تفسير ابن جزي 1/ 316، تفسير شمس الدين الخطيب 1/ 544، تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 2/ 293، تفسير المنار 9/ 433 – 434، تفسير المراغي 9/ 140، تفسير السعدي ص: 312، تفسير فتح القدير 2/ 313.
(15) تفسير أبي السعود 3/ 305، تفسير روح البيان 3/ 295، تفسير القرطبي 7/ 339، تفسير الرازي 15/ 427، تفسير شمس الدين الخطيب 1/ 544.
(16) تفسير القرطبي 7/ 339.
(17) تفسير البيضاوي 3/ 45.
(18) تفسير النسفي 1/ 624.
(19) تفسير ابن كثير 3/ 477.
(20) تفسير روح البيان 3/ 295.
(21) تفسير البيضاوي 3/ 45، تفسير النسفي 1/ 624، تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 2/ 293.
(22) تفسير البيضاوي 3/ 45.
(23) تفسير النسفي 1/ 624.
(24) تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 2/ 293.
(25) تفسير ابن جزي 1/ 316، تفسير ابن كثير 3/ 477، تفسير الثعالبي 3/ 102، تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 2/ 293، تفسير المنار 9/ 433 – 434، تفسير المراغي 9/ 140، تفسير القاسمي 5/ 235، تفسير أضواء البيان للشنقيطي 2/ 46، التفسير المنير للزحيلي 9/ 204، أحكام القرآن لابن العربي 4/ 59.
(26) تفسير ابن جزي 1/ 316.
(27) تفسير ابن كثير 3/ 477.
(28) تفسير الرازي 15/ 428، 429، تفسير اللباب لابن عادل 2491، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 3/ 360.
(29) تفسير الرازي 15/ 428، 429، فتح الرحمن في تفسير القرآن 3/ 73، تفسير اللباب لابن عادل 2491، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 3/ 360.
(30) تفسير الرازي 15/ 428، 429، فتح الرحمن في تفسير القرآن 3/ 73، تفسير اللباب لابن عادل 2491.
(31) تفسير الرازي 15/ 428، 429، فتح الرحمن في تفسير القرآن 3/ 73، تفسير اللباب لابن عادل 2491.
(32) تفسير الرازي 15/ 428، 429، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 3/ 360، نظم الدرر 3/ 168، أحكام القرآن لابن العربي 4/ 59، أحكام القرآن لابن العربي 4/ 59، الحاوي في تفسير القرآن الكريم 300/ 327.
(33) تفسير المراغي 9/ 140.
(34) تفسير الثعالبي 3/ 102، 103.
(35) تفسير الرازي 15/ 428، 429، تفسير القاسمي 5/ 236.
(36) تفسير ابن كثير 3/ 477، تفسير المراغي 9/ 140.
(37) تفسير الثعالبي 3/105، تفسير أبي السعود 3/ 305، تفسير التحرير والتنوير 9/ 213.
(38) تفسير الرازي 15/ 428، 429، تفسير اللباب لابن عادل 2491.
(39) تفسير الثعالبي 3/105.